فهرس الكتاب

الصفحة 22785 من 27364

شعار عظيم رفعه على طريق الدعوة الرسل والأنبياء عندما تكرر في خطابهم لأقوامهم ]وما أسألكم عليه من أجرٍ إن أجري إلا على رب العالمين [ الشعراء [109] ، والرجل المؤمن في سورة يس عندما دعا قومه لاتباع المرسلين علل لهم ذلك بقوله ]اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون [ يس [21] ، والدعاة سائرون على منهج الأنبياء فلا ينتظرون من أحد عطاء ، ولا يرقبون من إنسان مكرمة ، وأنى يكون ذلك ؟ وكيف يفكرون في مثل هذا الأجر الدنيء والعرض الزائل ؟ كلا إنهم لا تنشغل عقولهم بمثل هذا التفكير لأنها مشغولة بالرجاء في قوله تعالى ]ولأجرة الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون [ يوسف [57] ، ولا تتعلق قلوبهم بشيء من حطام الدنيا وعطايا الناس لأنها متعلقة بقوله تعالى ]ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [ النحل [41] إنهم يرغبون في نوع آخر من الأجر غير ممنون ولا مقطوع ]إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون [ الانشقاق [25] ،]وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ [ هود [108] .

إن صورة الداعية لا تجمل ولا تكمل إلا باستغنائه عما في أيدي الناس وما من شيء يذهب أثر الدعوة ويمحو عزة الداعية مثل سؤال الناس أو انتظار عطائهم ، إنه حينئذ لا يكون داعية بل يصبح تاجراً فاجراً يتاجر بالدين ، يشابه فعل اليهود ]الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلاً [ آل عمران [77] وبهذا السلوك يكون الداعية ممن يصدون عن دين الله كما بين ذلك الله جل وعلا في قوله ]اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله [ التوبة [9] وذلك من أعظم البلاء ، ولذا (( ينبغي أن يتعفف الداعية عما في أيدي الناس ليظل عزيزاً مرفوع الرأس ، قادراً على أن يقول ما يريد وأن يبلغ ما يلزم إبلاغه دون أن يحمل منة في عنقه لأحد تجعله مغلول اليد أو مغلول اللسان ، وبقدر ما يستطيع الداعية أن يحقق لنفسه من العفة والورع بقدر ما يكتسب من تقدير وقدرة وإمكانية ) )مع الله (ص:74) .

نعم لا بد أن يميز الدعاة (( زهدهم في زخارف الدنيا ، وفضول العيش ، ونهامة المادة ، ومرض التكاثر ، فإنهم لا يستطيعون أن يؤثروا فيمن يخاطبونهم ، ويحملون على إيثار الدين على الدنيا ، والآجلة على العاجلة ، وتلبية نداء الضمير والإيمان على نداء المعدة والنفس والشهوات ) )وذلك لأن (( الناس ما زالوا ولا يزالون مفطورين على الإجلال لشيء لا يجدونه عندهم ... فإذا رأى الناس علماء ودعاة لا يقلون عنهم في حب المادة ، والجري ورائها ، والتنافس في الوظائف والمناصب, والإكثار من الثراء والرخاء ، والتوسع في المطاعم والمشارب ، وخفض العيش ولين الحياة فإنهم لا يرون لهم فضلاً عليهم ، وحقاً في الدعوة إلى الله ، وإيثار الآخرة على الدنيا ، والتمرد على الشهوات ، والتماسك أمام المغريات ، وقد قيل فاقد الشيء لا يعطيه ) )بعض سمات الدعوة المطلوبة في هذا العصر ، ضمن أبحاث وقائع اللقاء الخامس لمنظمة الندوة العالمية لشباب الإسلامي (ص:410) .

هذا هو سمت أهل العلم والإيمان ذكره الله جل وعلا لنا في قصة قارون يوم خرج على قومه في زينته ، فتاقت إلى حاله ودنياه نفوس الضعفاء لأن قلوبهم خواء ، وجاء الجواب حاسماً من أهل العلم والإيمان لأن في قلوبهم غناء ]ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً وما يلقاها إلا الصابرون [ القصص [80] .

وتكتمل شخصية الداعية ويعظم تأثيره إذا ضم إلى الاستغناء العطاء ، وما الدعوة إلاَّ عطاء دائم يبذل فيه الداعية من مشاعره ومن وقته ومن ماله ومن جاهه ومن وقوته ومن حيلته حتى يبلغ الغاية ببذل نفسه وإعطاء روحه جهاداً في سبيل الله وتضحية من أجل الدعوة إلى الله ]لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [ آل عمران [92] .

التاريخ يشهد أن الدعاة إذا اغتنت قلوبهم بالمعاني الإيمانية واستغنت عن المتع الدنيوية استسهلوا الصعب غير مستثقلين ، وركبوا الأخطار غير عابئين وواجهوا الأخطار غير خائفين ، لا تثنيهم رهبة ، ولا تستميلهم رغبة .

وانظر إلى ربعي بن عامر رضي الله عنه يوم قدم إلى أبهة الملك ، بما فيها من متاع الدنيا وزخرفها ، فوطئ الطنافس بأقدامه ، وخرقها برمحه ، واستغنى واستعلى بإيمانه ، وقال قولته المشهورة التي ما تزال تدوي في سمع الزمان: (( جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ) ).

ويوم أسر عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه ، قال له ملك الروم: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي ؟ فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك ، وجميع ملك العرب ما رجعت عن دين صلى الله عليه وسلم طرفة عين ؟ ، قال: إذاً أقتلك ، قال: أنت وذاك ؟ سير من أعلام النبلاء (2/14) .

إنها المواقف التي رجمها الزبيدي شعراً عاصفاً رائعاً فقال:

خذوا كل دنياكمُ واتركوا فؤادي حراً وحيداً غريباً

فإني أعظمكم دولة وإن خلتموني طريداً سليباً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت