فهرس الكتاب

الصفحة 22786 من 27364

وصاغها الرافعي الأديب من قاموس الحكمة في كلمات في غاية القوة فقال: (( إذا رمتك المطامع بالحاجة التي لا تقدر عليها ، رميتها من نفسك بالاستغناء الذي تقدر عليه ) )نقلاً من المنطلق )وتكررت بعد جيل الصحابة مرات ومرات جددها أئمة الدعاة من الثقات الأثبات فهذا عيسى بن يونس حدث الأمين والمأمون فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها ، فظن أنه استقلها"أي رآها قليلة"، فأمر له بعشرين ألفاً ، فقال عيسى: لا ولا إهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ولو ملأت لي هذا المسجد ذهباً إلى السقف ، فانصرف من عنده )) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/357) .

وفي وقت اشتداد الأزمة إبان فتنة خلق القرآن دعي عفان بن مسلم للمحنة فلما حضر عُرض عليه القول ، فأبى أن يجيب ، فقيل له: يحبس عنك عطاؤك ، وكان يعطي في كل شهر ألف درهم ، فقال:]وفي السماء رزقكم وما توعدون [ الذريات [22] ، فلما رجع إلى داره عزله نساؤه ومن في داره ، قال الرواي: وكان في داره نحو أربعين إنساناً (نزهة الفضلاء(2/762) .

وليس الأمر مقتصراً على الاستغناء عما في أيدي الأمراء بل هو كذلك بالنسبة للتعامل مع المدعوين والتلاميذ فقد وجه بعض مشايخ مرو إلى علي بن حجر بشيء من السكر والأرز وثوب فرد عليهم بقصيدة قال فيها:

جاءني عنك مرسل بكلام فيه بعض الإيحاش والإحشام

فتعجبت ثم قلت تعالى ربنا ذا من الأمور العظام

خاب سعيي لئن شريتُ خلاقي بعد تسعين حجة بحطام

أنا بالصبر واحتمالي لإخواني أرجِّي بحلول دار السلام

والذي سميته يزري بمثلي عند أهل العقول والأحلام

وأهدى أصحاب الحديث الأوزاعي هدية فلما اجتمعوا عنده ، قال لهم: أنتم بالخيار إن شئتم قبلت هديتكم ولم أحدثكم ، وإن شئتم حدثتكم ورددت هديتكم (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع(1/357) .

وجمع الشيخ عاطف أفندي بين الموقفين مع أصحاب السلطان ومع عامة الناس ، فقد (( دعي إلى طعام الإفطار في رمضان مع السلطان وحيد الدين ، وتقدم السلطان بهدية للشيخ تقديراً له ورجاه أن يقبلها فاعتذر قائلاً: استسمحكم ألا تعودوني على تلقي الإحسان .

وذات يوم أهداه فرَّاش متقاعد ممن يحبونه ويجلونه بعضاً من الحلوى صنعها خصيصاً للشيخ فاعتذر منه وقال له: سامحني لأنني لم أستطع قبول هديتك ، سامحني فإن مهنتي والقضية التي أعمل لها حساسة للدرجة التي لا أستطيع معها تحمل مثقال وطأة المنفعة المادية )) العثمانيون في التاريخ والحضارة (ص:229-230) .

وبقدر أهمية الاستغناء تأتي أهمية العطاء الذي له أثره الأبلغ في النفوس لملامسته لمصالحهم ، وقضائه لحاجاتهم ، وقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم -كما قال أنس- ما سئل رسول ا صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه ، فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين ، فرجع إلى قومه وقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (أخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، باب ما سئل الرسو صلى الله عليه وسلم عن شيء قط فقال لا(عبد الباقي) (4/1806) .

وهذا صفوان بن أمية رضي الله عنه يقول: لقد أعطاني صلى الله عليه وسلم وإنه لأبغض الناس إلي ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي (الإصابة(2/187) .

وأبو بكر خرج من ماله كله بذلاً في سبيل الله ، ونصرة لدين الله ، وعمر أنفق في هذا السبيل شطر ماله ، وعثمان جهز جيش العسرة وكان رائداً للمنفقين ، وكذا كان عطاؤهم لدعوتهم ، ومثله عطاؤهم للناس عظيماً تقوى به الدعوة ، ويُتألف به المدعوين .

وليس العطاء محصوراً في المال ، بل هو أوسع من ذلك إذ يشمل كل عون يقدمه الداعية للمدعوين ، وكل معروف يسديه لهم ، فقد يعطيهم من وقته أو جهده أو فكره بل حتى من بشاشة وجهه وحسن استقباله ، وميدان العطاء بالنسبة للداعية فسيح ، وأثره كبير ، فينبغي أن يكون فيه مسابقاً ومنافساً ، ومحققاً لما أوصى به الشيخ البنا الداعية بقوله: (( أن تكون عظيم النشاط ، مدرباً على الخدمات العامة ، تشعر بالسعادة والسرور إذا استطعت أن تقدم خدمة لغيرك من الناس ، فتعود المريض وتساعد المحتاج ، وتحمل الضعيف ، وتواسي المنكوب ولو بالكلمة الطيبة وتبادر دائماً إلى الخيرات ) )مجموعة رسائل البنا (ص:21) .

والدعاة ينبغي أن يحرصوا على الخدمات العامة ويخصصوا لها من أفرادهم وجهودهم ما يلائمها ، فلا بد أن يكونوا هم العاملين في الهيئات الإغاثية ، ومشاركة في اللجان الخيرية ، والمشاريع الصحية ونحو ذلك ، ليكونوا أكثر صلة بالناس وأشد قرباً منهم ، وليحوزوا من خلال الخدمة والعطاء استجابة المدعوين وتأثرهم ، إضافة إلى أنهم بذلك يبرزون صورة عملية لشمولية وتكامل الإسلام ، ولصدق وخيرية الدعاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت