فهرس الكتاب
ولقد أشارت خديجة رضي الله عنها إلى أثر الخدمة العامة والعطاء الدائم عندما نزل الوحي وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: لقد خشيت على نفسي ، فقالت له: (( والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ) )فيا سبحان الله تأمَّل هذه الصور المتنوعة من العطاء وقد تحلى بها الرسو صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فكيف إذن كان بعدها ؟ .
المبحث الرابع: الاستمرار والابتكار
إن العمل المنقطع يتبدد أثره ، والعمل المتكرر يورث الملل ، ويفقد الحماس ، ثم إن توقف الداعية وعدم استمراريته في دعوته دليل خلل في فهمه ، أو ضعف في عزمه ، وتكراره وعدم ابتكاره يشير إلى قلة حيلته وضعف بصيرته ، وما هكذا يكون الداعية ، بل الداعية نشاط متدفق ، وتجديد متألق ، عمل لا يكل ، وتفكير لا يمل .
والدعاة لهم في هذا الباب مثل عظيم جداً في قصة نوح عليه السلام حيث لبث في قومه داعياً ]ألف سنة إلا خمسين عاماً [ العنكبوت [29] ، وكانت هذه الأعوام الطويلة عملاً دائباً ، وتنويعاً متكرراً ]قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً ، ثم إني دعوتهم جهاراً ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً [ نوح [5-9] ، رغم امتداد الزمن الطويل ، ما توقف عن الدعوة ولا ضعفت همته في تبليغها ، ولا ضعفت بصيرته وحيلته في تنويع أوقاتها وأساليبها ، قال الألوسي في تفسيره: ]رب إني دعوت قومي [ أي إلى الإيمان والطاعة ، ] ليلاً ونهاراً [ أي دائماً من غير فتور ولا توان ، ثم وصف إعراضهم الشديد، وإصرارهم العنيد ، ثم علق على قوله تعالى: ] ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً [ فقال:أي دعوتهم مرة بعد مرة ، وكرة غبَّ كرة، على وجوه مختلفة وأساليب متفاوتة، وهو تعميم لوجوه الدعوة، بعد تعميم الأوقات، وقوله ] ثم إني دعوتهم جهاراً[ يشعر بمسبوقية الجهر بالسر، وهو الأليق بمن همه الإجابة لأنه أقرب إليها لما فيه من اللطف بالمدعو (تفسير الألوسي(10/89) .
فانظر إلى استمراريته في الدعوة رغم شدة الإعراض والعناد، لم يدفعه ذلك الإعراض إلى التوقف، ولا لممارسة الدعوة بصورة عادية لا روح فيها بل على العكس دفعه الإعراض ليواصل المحاولة مع تنويع الأساليب وابتكار طرق جديدة لتبليغ الدعوة، وتزيده حماسة على (( جعل دعوته مظروفة في زمني الليل والنهار للدلالة على عدم الهوادة في حرصه على إرشادهم وأنه يترصد الوقت الذي يتوسم أنهم فيه أقرب إلى فهم دعوته منهم في غيره من أوقات النشاط وهي أوقات النهار، ومن أوقات الهدوء وراحة البال وهي أوقات الليل ) )التحرير والتنوير (29/194) ، (( وتوخي ما يظنه أو غل إلى قلوبهم من صفات الدعوة، فجهر حيث يكون الجهر أجدى مثل مجامع العامة، وأسرَّ للذين يظنهم متجنبين لوم قومهم عليهم في التصدي لسماع دعوته ) )التحرير والتنوير (29/197) .
ولنا مثل في قصة يوسف عليه السلام لما دخل السجن مظلوماً، حيث انتهز الفرصة ومارس الدعوة .
والاستمرارية خير كما قال عليه الصلاة والسلام (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ ) )قال المناوي: (( أدومها: أي أكثرها ثواباً، وأكثرها تتابعاً ومواظبة ) )، وذكر منافع العمل الدائم فقال: (( لأن النفس تألفه فيدوم بسببه الإقبال على الحق، ولأن تارك العمل بعد الشروع كالمعرض بعد الوصل ) )ثم قال: (( وفيه فضيلة الدوام على العمل ) )فيض القدير (1/165-166) ، ولقد خوطب عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى ] واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [ الحجر [99] ، فظل يدعو إلى الله ويبلغ رسالة الله حتى وهو على فراش الموت يوصي أمته كما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( قال صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه:لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) )أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مرض صلى الله عليه وسلم ووفاته (الفتح) (8/140) .
وبالنسبة للتنويع والابتكار فإن الرسو صلى الله عليه وسلم دعا سراً وجهراً ، وسلماً وحرباً، وجمعاً وفرداً، وسفراً وحضراً، كما أنه عليه الصلاة والسلام قصَّ القصص ، وضرب الأمثال ، واستخدم وسائل الإيضاح بالخط على الأرض ، وغيره ، كما رغَّب وبشَّر ، ورهَّب وأنذر ، ودعا في كل آن ، وعلى كل حال وبكل أسلوب مؤثر فعال .
والصحابة الكرام من الخلفاء الراشدين طبقوا قاعدتي الاستمرار والابتكار ونكتفي بالإشارة إلى بعض ذلك في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فأبو بكر رضي الله عنه أعلن في كلمته العظيمة عند وفاة الرسو صلى الله عليه وسلم إنها استمرارية الدعوة وعدم ارتباطها بشخص الرسو صلى الله عليه وسلم بل هي دعوة لله مستمرة مدى الحياة ، ثم طبق هذا عملياً فأنفذ جيش أسامة وقاتل المرتدين بأحد عشر جيشاً ثم بعث الجيوش إلى الفرس والروم ، كما أنه أمر بجمع القرآن وخالفه الصحابة أول الأمر ثم أجمعوا على رأيه لما فيه من مصلحة الأمة .