فهرس الكتاب
و- المستشفى العلمي: أمراض الجسد بنيت لها المستوصفات والمستشفيات، وتخصص لها الأطباء والممرضات والفنيون والإداريون وأدركنا خطورتها على الحياة، ولكننا لم ندرك حتى الأن حاجتنا الماسة لإنشاء مستشفيات علمية لعلاج أمراض العقول والنفوس المتمثلة في انحرافات وتشوهات في عقائد واقتناعات وسياسات ومناهج وأساليب لحكومات أو جماعات وأحزاب واتجاهات وشعوب، وقبائل وعائلات وأفراد، مع أن هذه التشوهات تسبب فتناً ومشاكل وحروباً وخسائر وضياعاً ودمارا. فهناك من انحراف عن بعض بديهيات الإسلام، ومع هذا لا يدري أنه انحراف وهناك من لديه عنصرية ولا يشعر بها وهناك من هو متطرف في أقواله وأفعاله ويظن أنها جهاد وكفاح، ودور هذه المستشفيات هو تشخيص الحالة المرضية العلمية لفرد أو جماعة، او حزب أو حكومة، ثم بعد ذلك علاجها من خلال إعطاء وصفات علمية من كتب وحقائق ومعلومات يتم صرفها من معاهدة علمية متخصصة. ولعل من أهم العوائق أننا مقتنعون بأننا نعرف
كل شيء وأننا على صواب ولا توجد عندنا أمراض علمية، وأن عقولنا
كلها علم وخبرة ووعي، وأن الانتقادات التي توجه إلينا ليست حقائق
بل هي إشاعات مغرضة وراءها أعداء، أو مصالح شخصية أو جهلاء
أو حساد أو ملاحدة. والوصول إلى فكر إسلامي معاصر صحيح وواقعي
ــــــــــــــــــــ
(1) ص 24 حوار لا مواجهة د. أحمد كمال أبو المجد.
(2) ص 24 المصدر السابق.
يتطلب تشكيل لجان علمية محايدة تقوم بتشخيص أمراض حكومة أو حزب أو جماعة، ثم إعطاؤهم الوصفة العلمية المناسبة، فهذا يساهم كثيراً في اختصار الوصول للحقائق، لأن المريض لا يستطيع في أحيان كثيرة اختيار الدواء المناسب من الصيدلية العلمية، لأنه لا يدري ما هو مرضه؟ وما هو دواؤه؟ وعموما فالعقلاء هم من يطلبون تقييم أدائهم من جهات محايدة وخارجية واعية ومخلصة، ويقومون بتصحيح مسارهم، ومن يفعل ذلك هو الذي يستطيع أن ينمو ويكبر، لأن جذوره العلمية راسخة، ولأن للعلم والحقائق والصواب قوة هائلة ينجذب إليها المخلصون.
س- قد يتعجب بعضنا عندما يشاهد أفراداً وأحزاباً وجماعات وحكومات يرتكبون أخطاء كبيرة وواضحة في عقائدهم، أو أعمالهم أو أقوالهم، أو سياساتهم، أو لا يهتدون إلى حلول لمشاكلهم، فيفشلون في حياتهم الزوجية أو الوظيفية أو السياسية. لأن الإنسان يتساءل هل من المعقول ألا يرى هؤلاء الحقائق والصواب والمنطق السليم؟ وأين ذهب المستشارون والأهل والأصدقاء والعقول الكثيرة؟ والجواب: نعم، إنهم لا يرون الحقائق الواضحة لأن الله سبحانه وتعالى أعمى بصائرهم فلم تعد ترى النور، وذلك بسبب معاصيهم قال تعالى: ?إن الله لا يهدي القوم الفاسقين? وقال تعالى: ?إن الله لا يهدي القوم الظالمين? فالمعاصي والنور العلمي الفكري شيئان متنافران، قال ابن القيم: (لما جلس الإمام الشافعي بين يدي الإمام مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية) . وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بان العلم نور ونور الله لا يُهدى لعاصي
وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عندما سئل: من نسأل
بعدك؟ فقال: سل عبدالوهاب. قيل: إنه ليس له اتساع في العلم فقال أبو عبدالله: انه رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق (1) . فالتقرب إلى الله بالطاعات، والابتعاد عن المعاصي من بديهيات النجاح في اكتساب العلم ومحاربة الجهل، وفي الختام فإنه من الضروري أن نقتنع كأفراد وكشعوب بأن العلم ثروة، وأنه ميراث الأنبياء وأنه أهم بكثير من المال، قالى تعالى: ?قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب? (9) (سورة الزمر) ، وقال ابن القيم رحمه الله: وفضل العلم على المال يُعلم من وجوه: أحدها أن العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الملوك والأغنياء، والثاني أن العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله، والثالث أن المال تذهبه النفقات، والعلم يزكو على النفقة، والرابع أن صاحب المال إذا مات فارقه ماله، والعلم يدخل معه قبره، والخامس أن العلم حاكم على المال والمال لا يحكم على العلم، والسادس أن المال يحصل للمؤمن والكافر والبر والفاجر والعلم النافع لا يحصل إلا للمؤمن، والسابع أن العلم يحتاج إليه الملوك فمن دونهم، وصاحب المال إنما يحتاج إليه أهل العدم والفاقة، والثامن أن النفس تشرف وتزكو بجمع العلم وتحصيله وذلك من كمالها وشرفها والمال لا يزكيها ولا يكملها ولا يزيدها صفة كمال بل النفس تنقص وتشح وتبخل بجمعه والحرص عليه، فحرصها على العلم عين كمالها، وحرصها على المال عين نقصها، التاسع أن المال يدعوها إلى الطغيان والفخر والخيلاء، والعلم يدعوها