فهرس الكتاب
وكثيرا ما يفشل السياسيون لأنهم لم يحسنوا قراءة واقع بلادهم السياسي فتجدهم يخالفون عقائد شعوبهم أو لا يقدرون حجم ونوع ردة الفعل الشعبي على قرار، أو تصريح، وكثير من العرب صدموا بهزيمة يونيو 1967 لأنهم لم يستطيعوا قراءة الواقع السياسي والعسكري والعقائدي للأمة ولو قرأوه لتوقعوا هذه الهزيمة الكبيرة. وقد قرأ الزعيم الهندي غاندي واقع الهند قراءة صحيحة ولهذا استطاع أن يطبق مبادئه وآماله بصورة صحيحة تحقق أكبر قدر من الايجابيات، وتمنع الفشل والخسارة، فاستقلال بلاده مبدأ لم يتنازل عنه ولكنه أدرك بعد قراءته للواقع أن هناك خطوات لابد من تحقيقها أهمها هو توحيد القوى الشعبية، وكسب ثقة المسلمين والهندوس، وإيجاد المؤسسات الشعبية المطلوبة، وليت كثيراً من سياسيينا يبذل جهودا في قراءة الواقع العربي من خلال القراءة والزيارة والسياحة والعمل حتى يستطيع التعامل مع هذا الواقع بصورة صحيحة فلا نتحدث من خلال النظريات فقط أو من خلال العواطف والظنون والمعلومات المشوهة أو المزورة حتى نتمكن من وضع أهداف واقعية تتناسب مع صفاتنا وعلمنا وعملنا واخلاصنا، وحتى نختار ما يناسبنا من نظم وأعمال ومجالس نيابية وغير ذلك، وقراءة الواقع مطلوبة كذلك في الجانب الإداري فمهما حصلت على دراسة وعلم في الإدارة فإنه لابد من قراءة واقع الوزارة أو المؤسسة أو الشركة بصورة صحيحة حتى نختار القرارات والأولويات الإدارية المناسبة، وقراءة الواقع لا يتم حسابها بالسنوات، بل بما فيها من خبرة ودراسة وعمل وتجارب، فقد تجد موظفا عمل عشرين عاما، ومع هذا لم يقرأ واقع وزارته بصورة صحيحة، والنجاح في قراءة الواقع يتطلب
الحوارات واللقاءات والندوات والاجتماعات وقراءة خريطة المصالح
ويتطلب المصارحة والمكاشفة والعلانية، وذكر الايجابيات والسلبيات ومن
الخطأ اخفاء نقاط الضعف والسلبيات سواء كانت في مؤسسة أو قبيلة أو
شعب أو إدارة أو حزب أو جماعة، فكثير من السلبيات يجب إعلانها
حتى يتم تصحيحها، وحتى نتعامل معها بصورة صحيحة، ولنتذكر أن الحقائق هي التي تحرك الواقع لا الغطاء الذي نضعه عليه، فهذا الغطاء لا يضر إلا من أردنا حمايته، ولا شك أن من يقرأ الواقع بصورة عميقة هو الأكثر نجاحا وصوابا وخبرة.
ر- الحوار المنظم الهادي: الحوار الذي ندعو إليه هو حوار بين عقلاء مخلصين لدينهم وعروبتهم لا يقوده علمانيون أو رأسالميون أو شيوعيون أو متطرفون وهو حوار بين من ثبت إخلاصهم ووعيهم في مواقفهم وأقوالهم. وهو حوار يعتمد على دراسات علمية وقراءات وثقافة وخبرة، وهو حوار بين قوى شعبية داخل الوطن الواحد وبين قوى شعبية داخل الأمة، وبين الحكومات والقوى الشعبية، وبين الإداريين والعلميين وبين أهل السياسة وأهل الدين، وبين العمال والتجار وبين المدراء والموظفين، ومع أننا شاهدنا حوارات كثيرة في مؤتمرات واجتماعات وصحف ومجلات ومحاضرات إلا أن أغلب هذه الحوارات ناقصة ومشوهة وسريعة وجزئية ولهذا نجد كثيراً من المواضيع تبقى معلقة، وكثيرين يبقون على اقتناعهم وأفكارهم القديمة فلا يتطورون. وإذا كان هدفنا الوصول إلى نتائج إيجابية ومفيدة فعلينا أن نرفض الجدل والتعصب، وأن ننظم حوارات هادفة لا سوقا للكلام، وتسجيل المواقف وإحراج الآخرين أو السخرية منهم أو التشويه والتنفيس ولنعمل على الاستفادة من علم الآخرين وتجاربهم، والوصول إلى حلول وسط كلما أمكن، وتقديم تنازلات منا لا انتزاع تنازلات من الآخرين، ولنعلم أن الكلمات الطيبة تقرب النفوس والعقول، أما الكلمات الخبيثة المشبعة بالعنصرية أو الحسد أو الانتقام أو التعصب أو الأنانية... الخ فهي قنابل تمزق النفوس، وتشعل الغضب والعداوة والكراهية. ولنعلم أن أهم مشاكلنا وخلافاتنا
كثيرة ومتشعبة، وهي بحاجة إلى حوارات كثيرة مستمرة وبحاجة إلى صبر
طويل جدا، ومحكمين من جهات محايدة، قال الدكتور أحمد كمال ابو المجد:"إن كثيرا من الساسة والقادة العرب يشفقون على أنفسهم وعلى الأمة العربية كلها من عواقب الحوار ويتصورنه مدخلا إلى مزيد من الخلافات، ويؤثرون لذلك أن يحافظوا على ما بقى من الود، وما بقى من مظاهر التعاون... إن هؤلاء يفضلون إستمرار أبواب الحوار مغلقة حتى تظل الفتنة نائمة لا يوقظها بالحوار أحد" (1) وقال"كذلك فإن اٌلاقدام على المفاتحة والمكاشفة والحوار يظل محفوفا بالمخاطر الكثيرة في غيبة الإتفاق على منهج له يؤمن موضوعيته، ويضمن استمراره، ويضبط أصول ممارسته ضبطا يستقر في التقاليد العربية" (2) .