فهرس الكتاب

الصفحة 22816 من 27364

وواجه العلمانيون على اختلاف مدراسهم قديما وحديثا صعوبة الوصول إلى الحقائق، وفي نفس الوقت لابد من اختيار عقيدة ودستور وقوانين ومناهج تربوية، فلم يعلنوا عجزهم وجهلهم بل أعطوا أي إجابات حتى لو كان بعضها سخيفا، فقال الشيوعيون مثلا (لا وجود لله) وسخروا من الدين، ومن قيم اجتماعية وحاجات نفسية... الخ. ولم يستطيعوا إقناع الناس بأن ما توصلوا له حقائق، فقد كان عند الناس أدلة وحجج كثيرة تثبت تفاهة التفكير العلماني الشيوعي، فكانت ردة الفعل الشيوعية هي الاستبداد السياسي والإعلامي والتربوي، وكلما كان الفكر هزيلا احتاج للبطش ليحميه، ومع هذا لم ينفع الاستبداد فقد سقطت الشيوعية سقوطا خياليا، وفشلت سياسيا وعقائديا واقتصاديا، فالقوة لا تستطيع حماية الجهل العلماني طويلا، فأين اليوم الشيوعيون المتشدقون بالعلمية والتقدمية بعد أن كفرت بها روسيا والصين وأوربا الشرقية؟ أما العلمانيون الرأسماليون فكانوا

ــــــــــــــــــــ

(1) ص 47 مواقف أهل السنة من المناهج المخالفة لهم - الأستاذ عثمان على حسن.

(2) ص 42 العقيدة في الله - الدكتور عمر سليمان الشقر.

أذكى بكثير فلم يتطرفوا في ادعاء العلمية، بل حرصوا على مصالحهم المادية، وشهواتهم الجنسية، وتركوا كثيرا من الأسئلة بدون إجابات، ولم يدعوا أن علمانيتهم توصلهم لكل الحقائق، فلم يحددوا الحق من الباطل، والصواب من الخطأ في كثير من العقائد أو العبادات أو الأمور السياسية والاجتماعية وقالوا أنت حر في عقائدك وعبادتك وحياتك الشخصية، فيجوز أن تعبد الله، أو تعبد صنماً، أو لا تؤمن بشيء، ولتختر كل دولة إلى درجة كبيرة ما تشاء من قوانين اجتماعية أو سياسية أو عقوبات أو غير ذلك، وهذا الهروب علق كثيرا من القضايا، وتركها بدون حل، والظاهر أنهم تعبوا من الجدل والنقاش، ولا شك أنهم وصلوا لبعض الحقائق بعقولهم المجردة، فقد اقتنعوا بالديمقراطية وآمنوا بحرية الرأي كقاعدة أساسية، وبحقوق الإنسان حتى لو طبقوها فقط على شعوبهم، ووصلوا إلى تقدم هائل في الحقائق التكنولوجية لأن الوصول لها يتم باتباع اسلوب عقلي بحت، وهو أسلوب التجربة والمشاهدة والاستنتاج، ووصولوا لبعض الحقائق الفكرية وكثير من الحقائق التكنولوجية، وفشل الرأسماليون العلمانيون في الوصول للحقائق العقائدية والاجتماعية... الخ هو أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت بعض عقائدهم تافهة، وأنانية، وأدى إلى تفكك اجتماعي، وأمراض نفسية، وأدى إلى سيطرة المصالح، والشهوات على حياتهم، فمبادئهم ضعيفة لا تزرع الثقة والوعي والاقتناع، فالمرض العلماني الذي أصاب عقولهم جعلهم في حالة فوضوية متناقضة، وهذه الفوضى ليست حرية حتى لو أعتقدوا أنها كذلك. فالغرب لم يتبع العقل والعلم، بل اتبع مصالحه وشهواته وخاصة في القضايا التي عجزت عقولهم عن الوصول إلى حقائق واضحة فيها كحدود الحرية الشخصية ودور المال في الحياة والعلاقة مع الدول النامية.

3-أوصل التفكير العلماني الغرب للراسمالية، والشرق للشيوعية،

وآمن بعض مثقفينا العرب به فاقتنع بعضهم بالرأسمالية، واقتنع آخرون

بالشيوعية، واقتنعت فئة ثالثة بالاشتراكية، وفئة رابعة بخليط من قومية

واشتركية... الخ فتمزقت العقول في الأمة إلى اتجاهات واقتناعات وعقائد وقوانين ودساتير متناقضة، فيكف يتفق العرب وعقولهم مختلفة وعقائدهم متناقضة، وتصوراتهم متصادمة؟ ونحن نتكلم فقط عن المخلصين لا المتاجرين بالشعارات والمبادئ وما أكثرهم. وظن بعض المخلصين من العلمانيين أن زيادة العلم والمدارس والتجارب والثقافة ستجعلنا نتفق على حقائق عقائدية وسياسية... الخ ولم يحصل هذا ولن يحصل ابدا. واستمرت خلافاتنا حول كل شئ تقريبا فهل نتحالف مع الغرب أو الشرق أو نقف على الحياد؟ وهل نسمح بالربا أو نمنعه؟ وهل نشجع القطاع الخاص أو نحاربه؟ وما هي فلسفتنا التربوية؟ وما هي حدود الحرية الشخصية والإعلامية؟ ... الخ وأغلب هذه الاختلافات هي اختلافات جذرية، وليست اجتهادية، والاختلاف الجذري هو شر كله، وهو يؤدي إلى التفرق والضعف والعداوة والبغضاء فكل مخلص سيصر على ما يعتقد أنه حق وصواب ويعتبر ذلك مبادئ لا يقبل الانحراف عنها، ومن وصل من هؤلاء إلى السلطة طبق قناعته بالقوة، فظلم واستبد وانحرف، أما من لم يصل فلا يستطيع ان يلتقي مع الآخرين لأن الاختلافات جذرية، فالعلمانية هي التي جعلت الاختلافات الشعبية كبيرة، فزرعت الضعف والتفرق. فلا توجد قوة مخلصة سواء في السلطة أو خارجها قادرة على النمو وتكوين قاعدة شعبية كبيرة، أو حتى على الاتفاق حول بعض القضايا الرئيسة فالمبادئ والعقائد العلمانية كثيرة ومتناقضة. ولا يوجد نظام علماني متفق عليه، أو حتى خطوط عامة، فمن ناحية نظرية وواقعية أصبحت أمتنا بلا دستور، وبلا عقيدة وبلا نظام، وبلا رؤية، وبلا قوانين، وغياب كل هذا سيؤدي إلى سيطرة الأفراد والمصالح والانتماءات العرقية، واللصوص والخونة والفساق، فالعلمانية ترفض النظام الإسلامي، وفي نفس الوقت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت