فهرس الكتاب
ونعلم أن هناك من الحكام والوزراء من لا يصدقون هؤلاء المنافقين ويرفضون مدحهم ويعلمون أن ولاء المنافقين هو لصاحب المنصب وأنهم متى زالت مناصبهم سيبتعد عنهم المنافقون وسيتقربون لمن يأتي بعدهم وهذا واقع شاهدناه قديما وحديثا فقد كان مجلس وزير في منزله لا يتسع لعدد المهنئين بالعيد فلما انتهى عمله كوزير لم يهنئه إلا فرداً واحداً وصحيح أن مثل هذا الوزير يلام لأنه قرب المنافقين ولم يقرب الصالحين ولكن هذا دليل على كثرة المنافقين فمنهم علماء في الإسلام وتجار وسياسيون ورؤساء أحزاب وقبائل وقادة عسكريين... الخ قال الخليفة العباسي المنصور:"كلكم يمشي رويد ... كلكم يطلب صيد... غير عمرو بن عبيد". وقيل"كلهم صيادون ولكن الشباك تختلف"وعن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه رأى الناس يدخلون في المسجد
فقال"من أين جاء هؤلاء؟"فقالوا من عند الأمير فقال:"إن رأوا منكراً أنكروه وإن رأوا معروفاً أمروا به؟"قالوا: لا. قال:"فما يصنعون؟"قالوا: يمدحونه، ويسبونه إذا خرجوا من عنده. فقال ابن عمر:"إن كنا لنعد النفاق على عهد"
ــــــــــــــ
(1) حديث رقم 1809 مختصر صحيح مسلم للألباني.
رسول ا صلى الله عليه وسلم فيما دون هذا" (1) والغريب أن المنافقين لا يعطون الحكومات أي قوة حقيقية فهم أول من يتخلى عنها وقت الشدة كما أن ليست لديهم قوة شعبية لما يعرف الناس من كذبهم ونفاقهم ومع هذا نجد بعض الحكومات تقربهم وتعينهم في مناصب هامة. ومن الضروري أن تتبنى الشعوب والحكومات آلية فعالة تمنع وصول هؤلاء المنافقين لنفوذ حكومي أو شعبي. قال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه:"من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه" (2) فليت هذه الكلمات يتذكرها ويطبقها كل حاكم ووزير ومدير ومسئول."
3-كثير من الناس مقتنعون أن النفاق هو الطريق الرئيس للمناصب أو المال أو الراحة ولهذا تجدهم ينافقون لرؤسائهم في العمل سواء كان رئيسهم مدير أو ناظر أو ضابط أو مدرس ... الخ وكثير من هؤلاء مقتنعون أن التمسك بالمبادئ نوع من المثالية أو الغباء.. وهؤلاء يخافون على مصالحهم من ترقيات ومناصب وأموال. ولهذا يسكتون عن الأخطاء والانحرافات ... وكم من كلام يدور بين الموظفين أو المدرسين حول بعض السلبيات فإذا دخل المدير أو الناظر اختفى هذا الكلام واختفت السلبيات وظهر النفاق أما إذا حدث - ونادراً ما يحدث - مناقشة الأوضاع بصراحة وصدق وجدنا الأغلبية الساحقة تقف مع وجهة نظر المسئول أو على الحياد ولا تقف مع الصدق والحق... ونقول لهؤلاء حدث في التاريخ أنه دخل هشام بن عبدالملك الخليفة الأموي الكعبة فإذا هو بسالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم فقال له سلني حاجة قال: إني أستحي أن أسال في بيته غيره. فلما خرج قال: الآن فسلني حاجة قال: والله ما سألت
ـــــــــــــــــــ
(1) ص 32 صفة النفاق وذم المنافقين للإمام أبي جعفر بن محمد الفرياني.
(2) ص 79 كتاب عمر بن عبدالعزيز للأستاذ خالد البيطار.
الدنيا من يملكها فكيف أسألها من لا يملكها" (1) . فقد علم هذا المسلم أن الحاكم لا يملك الدنيا وإن إمكانياته محدودة فإن أعطاك مالاً أو منصباً فهو ليس بقادر على حمايتك من المرض أو الحوادث أو الاغتيال أو الهم أو الخوف أو غير ذلك وليس بقادر على أن يزيد أو ينقص من عمرك دقيقة واحدة ولا يملك على الحقيقة أن يزيد في رزقك شيئا فالأرزاق قد كتبها الله سبحانه وتعالى كما أنه لا يستطيع أن يعطيك علما وبصيرة وحكمة ونوراً كما أن المناصب يؤتيها الله من يشاء وينزعها ممن يشاء والأدلة على كل هذا موجودة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والواقع المشاهد فقد شاهدنا أنظمة حكم تزول وحكاما يتغيرون مع أنهم امتلكوا أقوى الجيوش وأفضل الأجهزة الأمنية ولكن المنافقين لا يعلمون وما ينطبق على الحاكم ينطبق على المدير والناظر.... الخ. فإذا كنت تريد الدنيا فمن الذكاء والحكمة أن تسألها ممن يملكها فقدرات المسئولين محدودة جداً ولا يكون لها مفعول إطلاقا إذا حكم الله بإلغائها في نفعك أو ضرك ومن يؤمن بذلك سيتقرب إلى الله بالصدق والأعمال الصالحة ويبتعد عن النفاق والكذب والانحرافات الأخرى لأنه يعلم أن فيها هلاكه وضياعه وتعاسته في الدنيا والآخرة ومن لم يقتنع بهذا الكلام فعليه أن يسلط الضواء المكثفة على حياة المنافقين ونهايتهم وسيجدهم يفتقدون السعادة مهما نالوا من أموال ومناصب ويفتقدون حب الناس واحترامهم وسيجد أن كثير من المنافقين لم توصلهم أدوات النفاق إلى مناصب وأموال وسيجد في المقابل أن الله سبحانه وتعالى أعطى المناصب والأموال لكثير من عباده الصالحين فقد أعطى سليمان عليه الصلاة والسلام ملكا لم يعطه أحدا من البشر وأعطى يوسف عليه السلام منصبا رفيعا مع كثرة المؤامرات ضده وغير ذلك كثير قديما وحديثاً. قال تعالى: ?ولله خزائن السموات والأرض ولكن"