فهرس الكتاب

الصفحة 22833 من 27364

أجلاء بالمداهنة والجهل والضعف، وحقيقة الأمر أن عقول هؤلاء الشباب هي الجاهلة والضائعة، فتغيير المنكر بحاجة إلى علم وفقه ووعي سياسي، ومحاولة فرض الإصلاح بالقوة غالبا ما تأتي بنتائج سلبية في مثل واقعنا المعاصر، فعندما يتصرف بعض المتدينين كأنهم حكومة شرعية، فيحاولون تغيير منكر موجود بالقوة مما يجعل الحكومات تشعر أن هذا اعتداء على صلاحياتها وهيبتها، فتتحرك ليس بالضرورة تأييدا للمنكر، بل دفاعاً عن صلاحيتها فالقضية بالنسبة لها ليست إسلاماً أو غير إسلام والعلماء قالوا بأن تغيير المنكر بالقوة هو من اختصاص الحكومة، ولو ضرب بعض الشباب المتدين رجلاً سكيراً يسير في الشارع ويؤذي الناس لحاول هذا الرجل الانتقام، ولساعده أصدقاؤه وأقاربه، ولأصبحت مشكلة كبيرة، فتغيير هذا المنكر قد يؤدي إلى منكر أكبر منه، والواجب الإسلامي هو تبليغ الحكومة بوجود أي انحرافات اجتماعية أو عقائدية أو أخلاقية، وواجب المسئولين أن يمنعوا المنكر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فمحاولة الإصلاح مع تجاهل الطرق الشرعية والقانونية هو انحراف بحد ذاته وطريق إلى الفوضى. ووجود انحرافات لا يبرر مقابلتها بانحرافات، ومن الضروري معرفة الواقع، فكثير ممن لهم آراء يمينية او يسارية أو علمانية هم ليسوا رأسماليين ولا شيوعيين، ولا علمانيين، بل هم مسلمون"يصلون ويصومون"ولكنهم يختلفون مع بعض الجماعات أو الاجتهادات، وكثير من التصنيفات التي كانت في الخمسينات والستينات من هذا القرن إلى يمين ويسار لم تكن صحيحة، أي هي توازن سياسي ومصالح لا مبادئ وعقائد، وفي كل الأحوال ليس من حق بعض المتدينيين فرض اجتهاداتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على بقية المسلمين، فالاجتهادات تحتمل الصواب والخطأ ومن الخطأ التعصب لها فالآخرون لهم عقول وعلم وإخلاص وخاصة إذا كانوا من العلماء المخلصين، قال الدكتور أحمد كمال أبو المجد:"فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدة دينية وأخلاقية يستحق أصحابها الثناء، ولكن المضي في ممارستها بغير حدود ولا ضوابط من شأنه أن يدفع بهؤلاء الآمرين والناهين إلى الاعتداء على حقوق ليست"

لهم، وإلى تهديد أمن الأفراد وحرياتهم وحقوقهم (1) "وقال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله"إن غلمانا سفهاء يحملون علما مغشوشا أو جهلاً مركبا هجموا على الصحوة الإسلامية وكادوا يوقفون مسيرتها بما ينشرون من ضلالات ويشيعون عن الإسلام من إفك" (2) ."

3-القاري لسيرة الرسو صلى الله عليه وسلم ، وللتاريخ يعلم أن القيادة السياسية والحكومية بحاجة إلى كثير من المرونة السياسية، وخاصة في التعامل مع القوى الخارجية، وخاصة عندما تكون الدولة ضعيفة عسكريا أو اقتصاديا وسياسيا، فمن الطبيعي أن يفرض هذا الضعف نفسه على قرارات ومواقف ولكن طبعا للضعف حدود. فمن الخطأ في أحيانا كثيرة أعلان الحرب على حكومة لأنها فعلت كذا وكذا في حين أنها قد تكون مضطرة لأن تفعل ذلك. وفي شرعنا (الضرورات تبيح المحظورات) ، وهؤلاء ينسون القاعدة الإسلامية الهامة وهي ?فاتقوا الله ما استطعتم? وينسون أن الرسو صلى الله عليه وسلم وقع صلح الحديبية، ورأى فيه بعض الصحابة بنوداً ظالمة لا يجوز القبول بها ولكن الرسو صلى الله عليه وسلم قبل بها، وكذلك لم يقتل الرسو صلى الله عليه وسلم أبي بن سلول زعيم المنافقين مع استحقاقه للقتل لأن هذا سيؤدي إلى ضرر أكبر على المسلمين، حيث سيقول العرب، أن محمدا يقتل أصحابه، وفي هذا تشويه كبير للدعوة الإسلامية وعموما فالثقة بالقيادة عملية ضرورية لحياة الدول، ومن الخطأ أن يتصرف بعض العلماء أو الخطباء كأنهم قيادة سياسية فيتحدثون فيها كأنهم من أهلها، وهم يفتقدون الوعي السياسي، والمعلومات الصحيحة، ومع هذا يحاولون فرض آرائهم. ولا ندعو لفصل الدين عن الدولة، بل ندعو إلى إعطاء الحكومات المسلمة والسياسين المرونة الكافية. ومن واجب الحكومات اطلاع العلماء على حقائق الواقع، واستشارتهم، وتقبل الآراء المخالفة بصدر

ـــــــــــــــــ

(1) ص 52 حوار لا مواجهة - الدكتور أحمد كمال أبو المجد.

(2) جريدة القبس الكويتية 5/5/1996.

رحب، ومن المهم أن يدرك الشباب أن الإنحراف عن المبادئ ليس كله خيانة وكفر وظلم بل أحيانا يكون اضطراراً وأحيانا يكون عن جهل عقائدي أو تشريعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت