(( .. وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو في الغالب ثمرة التعود قبله. وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية في هذه الصناعة المزدهرة، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه في عالم خلقه الإنسان. وهذا هو الرأي الشائع لمعظم المفكرين في الوقت الحاضر. غير أنه من المخجل أن نرضى في سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية وهي تعرض علينا في المسارح وكتب الأدب المكشوف، تلك التي تحاول كسب المال باستثارة الرغبة الجنسية في الرجال والنساء المحرومين- وهم في حمى الفوضى الصناعية- من حمى الزواج ورعايته للصحة ) ).
(( ... حتى إذا سئمت فتاة المدينة الانتظار، اندفعت بما لم يسبق له مثيل في تيار المغامرات الواهية. فهي واقعة تحت تأثير إغراء مخيف من الغزل والتسلية وهدايا من الجوارب وحفلات من الشمبانيا في نظير الاستمتاع بالمباهج الجنسية. وقد ترجع حرية سلوكها لي بعض الأحيان إلى انعكاس حريتها الاقتصادية، فلم تعد تعتمد على الرجل في معاشها. وقد لا يقبل الرجل على الزواج من امرأة برعت مثله في فنون الحب. فقدرتها على كسب دخل حسن هو الذي يجعل الزوج المنتظر مترددا، إذا كيف يمكن أن يكفي أجره المتواضع للإنفاق عليهما معا في مستواهما الحاضر من المعيشة؟ ) ).
(( ... ولندع غيرنا من الذين يعرفون يخبرونا عن نتائج تجاربنا.. أكبر الظن أنها لن تكون شيئا نرغب فيه أو نريده. فنحن غارقون في تيار من التغيير، سيحملنا بلا ريب إلى نهايات محتومة لا حيلة لنا في اختيارها. وأي شيء قد يحدث مع هذا الفيضان الجارف من العادات والتقاليد والنظم... ) ).
فإذا كان هذا قد كان واضحا عند رجل غير مسلم- بل رجل ملحد ساخر بكل القيم الدينية والأخلاقية- مثل ول ديورانت، قبل أكثر من نصف قرن من الزمان، فقد كان الأحرى أن يكون واضحا تماما عند المجتمع المسلم، الذي يهتدي ببصيرته الإيمانية، المستمدة من إيمانه بكتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، والذي يرى حتمية السنن الربانية في الحياة البشرية حين يقدم الناس لها الأسباب، ويؤمن بالنتائج السيئة المترتبة على فساد الأخلاق في حياة الأمم وحياة الأفراد.
•…• ولكن القضية أن المجتمع الإسلامي كان بعيداً عن حقيقة الإسلام.
ومن هنا وجدت الثغرة التي ينفذ منها الشياطين.
وحين نفذوا فإنهم لم يقولوا إن المجتمع قد بعد عن الإسلام الصحيح وينبغي أن يعود إليه.. فما لهذا جاءوا، وما لهذا أطلقوا صيحاتهم! إنما هم كانوا يعملون- بجهدهم كله- ليخرجوا هذه الأمة من الإسلام، وليرسموا لها الطريق الذي يبعدها نهائيا عنه، ويمنعها- بكل سبيل- من العودة إليه.
•…• ولئن كانوا قد استخدموا الإسلام في بادئ حركتهم- كما استخدمه قاسم أمين وغيره- ليتترسوا به من قذائف المعارضين، الذين سيرمونهم- ولا شك- بالمروق من الدين، فإن هذه المرحلة سرعان ما استنفدت أغراضها، ووقفوا موقفهم الحقيقي من الإسلام، وهو موقف النبذ والمعارضة والهجوم، على مرحلتين متتابعتين- بحكم الظروف- الأولى هي مهاجمة [التقاليد] .. والأخرى هي مهاجمة [الدين] باسمه الصريح. في مرحلة الهجوم الأولى هاجموا التقاليد التي كانت ظالمة بالفعل، من تأثير الردة الجاهلية التي كان المجتمع الإسلامي قد ارتد إليها نتيجة تخلفه العقدي، وعدم تطبيقه الإسلام على صورته الحقيقية، ولكنهم حرصوا على أن يدخلوا في دائرة الهجوم التقاليد الإسلامية الحقيقية التي قررها الله ورسوله، إلى جنب مع التقاليد الفاسدة، ويطلقوا عليها جميعا أنها تقاليد [بالية] ينبغي أن تحطم وأن تغير، كما حرصوا على أن يسموها كلها بأنها من تراث العصور الوسطى [المظلمة] ، التي ينبغي لها أن تمحى من الوجود في العصر الحديث.. عصر النور.. والتحرر.. والانطلاق!
•…• وكان في هذا الهجوم- على هذا النحو- خبث ماكر ولا شك. فحقيقة إن كلا النوعين من التقاليد- الصحيح والفاسد- كان قائما في الحياة الإسلامية، بعضه إلى جانب بعض، ولكن كان من السهل- لو خلصت النيات- فرز هذه من تلك، والإبقاء على التقاليد الحقة، المستمدة بالفعل من كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، ومحاربة التقاليد الفاسدة، التي جاءت من الردة الجاهلية في شأن المرأة، حتى لو اقتضى الأمر خوض معركة مع المتمسكين بها، فإنما برز [العلماء] في حياة هذه الأمة بالمعارك الحادة التي خاضوها ضد انحرافات المجتمع، ولو كان المجتمع كله غارقا فيها، وتركوا بصماتهم الإصلاحية بمقدار ما بذلوا من جهد، وبمقدار ما كان هذا الجهد مخلصا متجردا لله.