التعريف - التأسيس وأبرز الشخصيات - الجذور الفكرية والعقدية
حرصت ما تسمى ب"حركة تحرير المرأة العربية"، منذ نشأتها،على فصل قضية تحرير المرأة عن الدين والوطن وربطها بقضية تحرير المرأة في العالم، فربطت بذلك بين قضية المرأة المسلمة وقضايا المرأة النصرانية والمرأة اليهودية والمرأة المشركة والملحدة، وذلك في محاولة لفصل قضية المرأة عن قضية الوطن والأمة، والأهم من ذلك فصل قضية تحرير"المرأة"المسلمة عن قضية تحرير"الوطن المسلم"، وفصل قضية الظلم الواقع عليها عن قضية الظلم الواقع على الرجل المسلم، وهكذا تتجزأ القضية الواحدة وتتفتت في مسارات متباينة متعارضة بل متصارعة، و"لم يقف الأمر عند هذه التجزئة بل تعداه إلى جَعْل المرأة المسلمة تقف خصماً أمام الرجل المسلم وأمام الوطن المسلم... تقف خصماً ضد شريعتها، تمتلئ رعباً وهلعاً كلما قيل لها: هناك من يطالب بتطبيق حُكم شريعتك، وتنفرج أساريرها فرحة كلما وُجِّهَت ضربة إلى الشرع الحنيف عن طريق سن المزيد من القوانين العلمانية المستمدة من قوانين الغرب."
وأكبر دليل على علمانية هذه الدعوة ذلك الاهتمام من قِبَل الخارج بقضية تحرير المرأة المسلمة، والتي تجلّت في الهجمة الشرسة المباشرة وغير المباشرة من قبل الغربيين على الشريعة الإسلامية، وتشجيعهم للمرأة على الخروج على تعاليم دينها التي التزمت بها طوال أربعة عشر قرناً، وقد تجلى هذا التشجيع والدعم في نواح عدة:
1-الدعم الفكري: تجلى في الكتابات الغربية التي تهجمت على وضع المرأة في الإٍسلام ودافعت عن حقوقها المسلوبة، وأبرز من كتب في هذا المجال هو"الكونت دراكور"الفرنسي الذي كتب في عام 1894م. كتاباً تناول فيه نساء مصر،"وهاجم الحجاب الإسلامي وهاجم المثقفين على سكوتهم".
كما تجلى هذا الدعم في الناحية الإعلامية، وخاصة المكتوبة منها، فانبَرت الصحف الغربية تدافع عما يسمى ب"قضية تحرير المرأة"المسلمة، وتفتح صفحاتها لدعم المرأة العربية، ومن نماذج هذا الدعم، ما قامت به الصحف البريطانية من ترحيب ب"درية شفيق"زعيمة حزب"بنت النيل"وتصويرها بصورة الداعية الكبرى إلى تحرير المرأة المصرية من أغلال الإسلام وتقاليده"."
2-الدعم المعنوي: في تشجيع الدوائر الغربية لحركة ما يسمي ب"تحرير المرأة العربية"ومدحهم الدائم لنشاط الجمعيات النسائية في الشرق، وكان البعض يأتي مباشرة إلى مصر للتهنئة بنشاط الحركة، والبعض الآخر كان يكتفي بإرسال بطاقات تهنئة، ومن نماذج هذا النوع من الدعم:
أ- الدعم المعنوي الذي تلقته"هدى شعراوي"لدى حضورها المؤتمر الدولي الأول للمرأة في روما عام 1923م، وذلك إثر اللقاء بموسوليني الذي أخبرها باهتمامه بحركات التحرير في مصر.
وقد كان من نتائج هذا المؤتمر العملية تأسيس هدى شعراوي"الاتحاد النسائي المصري"سنة 1923م، مباشرة بعد عودتها من المؤتمر. وقد كان من أهم أهدافه تعديل قوانين الطلاق ومنع تعدد الزوجات، علاوة على المطالبة للمرأة بالحقوق الاجتماعية والسياسية المزعومة، التي وصلت أخيراً إلى حد المطالبة بالمساواة في الميراث.
ب- حضور الدكتورة (ريد) رئيسة الاتحاد النسائي الدولي إلى مصر لتدْرس عن كثب تطور الحركة النسائية.
ج- إرسال حرم الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية برقية تأييد للمؤتمر النسائي عام 1944م..
د- وصول برقية جمعية (سان جيمس) الإنجليزية إلى زعيمة حزب بنت النيل تهنئها على نجاحها الجديد في القيام بمظاهرات للمطالبة بحقوق المرأة.
3 الدعم المادي: في الأموال التي كانت ترسلها بعض الدول الغربية إلى الجمعيات العربية، وقد فُضح كثير من هذه الممارسات على العلن، ومنها فضيحة أخذ"حزب النيل"الأموال من الدول الغربية، التي انكشفت"حين قدمت إحدى عضوات مجلس إدارة الحزب استقالة مسببة، ما لبثت أن قبلتها الرئيسة دون عرضها على مجلس الإدارة، وكم كانت الدهشة كبيرة حين عُلم أنه قد حيل بين كثير من الصحف وبين نشر سبب الاستقالة حتى فوجئ الشعب المصري بأن السبب هو أن السفارة الإنجليزية والسفارة الأمريكية تمدان الحزب بألفين من الجنيهات سنوياً، عدا الورق المصقول وغيره، فضلاً عن تقديم المشورة والتوجيه".
مطالب الحركة النسائية العربية:
لم تختلف مطالب الحركة النسائية في مراحلها الأولى عما هي عليه الآن، فمن خلال قراءة أهداف المؤتمرات النسائية التي عُقدت في تلك الفترة يتبين بأنها ركزت على تعليم المرأة بشكل عام، ويمكن حصر أهم مطالب الحركة النسائية العربية في الأمور التالية:
1-الدعوة إلى السفور: ترافقت الدعوة إلى السفور التي شهدها القرن التاسع عشر مع الدعوات الفكرية والتصرفات العملية، فإضافة إلى دعوات"قاسم أمين"ورفاقه، عرفت الساحة الفكرية اللبنانية كتابين أثارا ضجة كبيرة، كون كاتبتهما امرأة هي"نظيرة زين الدين"مؤلفة كتابي"السفور والحجاب"1928م. و"الفتاة والشيوخ"1929م. الذي ألفته رداً على مهاجمي الكتاب الأول، وعلى رأسهم الشيخ مصطفى الغلاييني.