فهرس الكتاب
فيا أيها الفاضل: الله الله أن تكون (قنطرة) للآخرين ليعبروا من خلالها -وأنت صاحب المحاضرات- إلى نساء هذه البلاد، لأنهم يعلمون أنهم إنما يغزونها ببعض أهلها.
ولا تكن معيناً لدعاة تغريب المرأة في هذه البلاد فتتولى القيام بالمهمة بدلاً منهم.
فإن قلت: شتان بيننا ! فنحن ندعو إلى الإسلام وإلى أن تلتزم النساء به، أدباً وسلوكاً، وسنضع الضوابط والشروط لذلك.
فأقول: لو تأمل النبيه حالكم ومطالبكم وقارنها بحال أهل التغريب ومطالبهم لوجدها هي هي، ولكن المسوح تختلف ! والعبرة بالمعاني لا الأسماء:
أما الخيام فإنها كخيامهم
وأرى نساء الحي غير نسائها !
بل والله إن التغريبين -عندنا- لا يطمعون أن يجنوا ربع ما دعا إليه صاحب الكتاب الذي أحلت عليه، الذي سيقطعون به شوطاً بعيداً في التغريب ما كان لهم أن يقطعوه دون هذا الكتاب وهذا الفكر، وسيأتيك نبأ ذلك.
فالحذر الحذر يا هذا، واعلم أن الأمر: إما حق أو ضلال، لا ثالث بينهما؛ كما قال تعالى (فماذا بعد الحق إلا الضلال) ، فمن التزم في أمر النساء ما جاء به الكتاب والسنة وعمل الصحابة فقد اهتدى إلى الحق، ومن خالف ذلك إما بعدم التزامه أو بتحميل نصوص الوحي ما لا تحتمل -كصاحب الكتاب- فقد ضل وأضل، وإني أربأ بك أن تكون منهم.
ولو تأملت نصوص الكتاب والسنة في أمر المرأة لرأيت طغيان ووضوح جانب القرار والستر والعفة والبعد عن فتنة الآخرين؛ فهذا هو الأصل، وما خالفه فهو يقدر بقدره ولا يُضخم على حساب الأصل السابق.
أما دعاة التغريب والعصرنة فقد عكسوا الأمر، فجعلوا الفرع أصلاً والأصل فرعاً وحمّلوا النصوص ما لا تحتمله من المعاني الباطلة؛ اتباعاً لشهواتهم وأهوائهم (2) .
(1) … قال شيخ الإسلام:"ففي الجملة أهل السنة يجتهدون في طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان، كما قال تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"ويعلمون أن الله تعالى بعث محمدًا r بصلاح العباد في المعاش والمعاد، وأنه أمر بالصلاح ونهى عن الفساد، فإذا كان الفعل فيه صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما؛ فإن كان صلاحه أكثر من فساده رجحوا فعله، وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه" (منهاج السنة، 4/527) .
(2) … يقول الدكتور محمد محمد حسين -رحمه الله- وهو الخبير بدعاة تغريب المرأة:"مصدر الخطأ والخلط في ذلك كله ناشئ عن وضع الاستثناء والشذوذ موضع القاعدة والأصل، واتخاذ أعمال الأفراد حجة على الشرع نفسه" (حصوننا مهددة من داخلها، ص95) . ثم بين -رحمه الله- أن حالهم كحال من أباح للناس أكل الميتة لأنه رأى آية أباحتها وقت الضرورة !
وأيضاً فلو تأملت جيداً لعلمت أن (اللون الرمادي) لا نصيب له في موضوع المرأة؛ بل في غيره من المواضيع التي يكثر فيها الجدل. وأن التيار العصراني الذي سيتبنى هذا اللون دائماً سرعان ما يلحق بأحد اللونين (الأبيض أو الأسود) . وشاهد ذلك ما وقع في مصر عند ظهور هذا التيار العصراني (الرمادي!) بقيادة شيخه الشهير محمد عبده، الذي أراد أن يكون وسطاً بين طرفين -كما يزعم-، فأخذ يتأرجح يميناً ويساراً في مسيرته، إلى أن انضم بعضه إلى الأبيض والبعض الآخر إلى الأسود بعد وفاة الشيخ عبده.
وبعد: فهذه ملحوظات كنت أقيدها أثناء قراءتي لكتاب"تحرير المرأة في عصر الرسالة"أحببت أن أنشرها بعد أن رأيت الإحالة السابقة؛ لعلها تكون عوناً لهذا الأخ الفاضل وغيره للتنبه إلى خطورة مسلك هذا الكتاب والتقائه مع مسالك مبغضي الشريعة من دعاة التغريب، إن لم يفقها أحياناً. ويشهد لهذا أن أحد مقدمي الكتاب وهو محمد الغزالي قد قال -يوماً ما- في جريدة الأهرام المصرية (1) :"فهذا الزي المبرقع أو المنقب ليس إلا زياً من صميم الأزياء الجاهلية البائدة التي عفى عليها الزمن، ولم يعد لها اليوم مكان إلا في بعض البلاد المتخلفة أو النامية، ولن يبقى فيها طويلاً أمام التطور الوثاب الذي يؤكد ما قاله داعية تحرير المرأة الأول في مصر والشرق العربي: قاسم أمين"!!
(كبرت كلمة تخرج من أفواههم)
إذاً: فهذه الكلمة من هذا الشيخ تدلك على أن الفريقين (التغريبي العلماني والعصراني) يسيران نحو هدف واحد، وأن الفروق بينهما يسيرة -كما سبق-، ولهذا نجدهما كثيراً ما يلتقيان ويلمع بعضهما بعضاً! مصداقاً لقوله تعالى (تشابهت قلوبهم) .
أسأل الله أن يجنبنا الشرور والفتن، وأن يبصر دعاتنا بحقيقة الأمور، وأن لا ينساقوا خلف الأوهام التي لا حقيقة لها، وأن لا يجعلهم سلماً ومتكأ لغيرهم من أعداء الإسلام.
هذا، وقد جعلت عدة تنبيهات في مقدمة هذه الرسالة، أتبعتها بالملحوظات على كتاب أبي شقة ثم شيء من تناقضاته.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
تنبيه (1) :
قد يقول قائل: بأن هذا الأخ الفاضل إنما يلمح في مقاله إلى جواز كشف المرأة لوجهها أمام الأجانب، فلا تثريب عليه، لاسيما وهو رأي"الجمهور"كما يزعم.