فهرس الكتاب

الصفحة 23052 من 27364

ألم تعلم يا رعاك الله أن جنس الإنسان في خسار وبوار إلا من اتصف بصفات أربع ، وذكر منها العمل ، يقول الله تعالى: ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)

ولقد عاتب الله تعالى الذين يقولون ما لا يفعلون ، فقال سبحانه: ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون . كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) فأي قلب لا يتأثر بعد هذا العتاب ؟ وأي شعور لا يتمزق بعد هذا التأنيب ؟!!

وأقول لك كما قال الجنيد رحمه الله:"هب أنك لا تخاف ، ويحك ..ألا تشتاق ) هب أنك لا تريد العمل ، وتكتفي بالكلام ، ألا تشتاق ، ألا تشتاق أن تكون مباركا لهذه الأمة ؟ ألا تشتاق أن تكون عضوا فاعلا في مجتمعك ؟! ألا تشتاق أن تكون سبباً لتخفيف الشرور ؟! إذن كفى كلاماً وبدأ وقت العمل !!"

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

الخطبة الثانية

أيها الأفاضل:

لقد جاء دور العمل ..العمل الذي يراد به وجه الله تعالى ، الموافق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم . قال تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) . فحسن العمل يدور على هذين القطبين ، أي: أكثر إخلاصاً لله ، وأكثر إصابة للشريعة ، والتزاماً بالمنهج ، قال الفضيل بن عياض في تفسير آية الملك: ( أحسن عملاً) 0:أي: أخلصه وأصوبه ؛ فإن العمل إذا كان خالصاً ، ولم يكن صواباً لم يقبل وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل ، فلا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً .

أيها الأخوة الأكارم:

لقد سمعنا كثيرا ، وتكلمنا كثيرا ، فلنعمل ولو قليلا ..نعم جاء دور العمل المدروس ..جاء دور التطبيق ..وليبدأ كل منا بنفسه أولاً فيغير من واقعها ..ويصحح من مسارها ، فيؤدي الواجبات ، ويجتنب المحرمات (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ثم عليه أن يلاحظ المنكرات اليومية والتي ينبغي إزالتها من المجتمع ، فيساهم بكتابة الموضوعات النقدية في الصحافة ، ويقوم بإرسال رسالة ترد على موضوع ،أو يؤيد موقفاً ، أو يستنكر مقالة ، أو أن تقوم بإرسال برقية إلى جهة ، أو ترفع سماعة الهاتف مستنكراً برنامجاً سيئا ، أو مؤيداً لمحاضرة موفقة ، أو أن يقوم بالكتابة إلى وزير أو مسؤول يدعم رأيه الجيد في موقف ، أو يستنكر منه الموقف السيئ ، وهكذا يحاول أن يكون عملياً ، ولو كان العمل صغيرا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، ولو عمل كل الناس بهذا المنهج ، وأدى كل واحد واجبه ، لأدى هذا الأمر إلى خير كثير ، إذ سوف يستلم الصحفي والإعلامي والمدير والوزير ، مئات بل ربما الآلاف من الردود أو المعارضة لموقف الشر ، فيقود إلى الامتناع ؟ أو على الأقل للتوقف عن المزيد ، ولا يستغرب هذا الموقف ، فحتى الفاسق من الناس ـ مهما كان سيئا ـ فهو بشر ، إذا لم تمنعه الاعتراضات خشية من الله ، فإنه سيمتنع خوفاً على مركزه ، أو حرصا على سمعته ، أما سكوت الجميع عن الشر ، فسيقود إلى شر أكبر ، وعدم تشجيع المعروف ، يقود إلى الزهد في إتيانه .

ولا تنس يا رعاك الله:أن الله تعالى سيضاعف لك الأجر والثواب جزاء على أعمالك التي قدمتها لنصرة دينه يقول الله تعالى: (ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله) ويقول سبحانه ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) [الزخرف:72]

ولا تنظر يا رعاك الله إلى تقصير المقصرين فكلا سيجازى بعمله (ووفيت كل نفس ما كسبت ) ويقول ( كل نفس بما كسبت رهينة ) فاعمل الصالحات قبل أن تحل الزفرات .

اعمل ولو كان العمل يسيرا ، ولو كان العمل حقيرا ، فإن الإسلام لا يحتقر من الأعمال ولو كانت كمثقال ذرة، فهو عمل له أثره وإن صغر في عينك ، يقول الله تعالى: ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره )

وأخيراً أيها المسلمون:

إن اقتصارنا على الكلام في مجالسنا دون العمل لنصرة ديننا معناه انحسار ظل الفضيلة ، وانتشار الرذيلة .

إن اقتصارنا على كلام المجالس معناه أن نجم الباطل في صعود ، ونجم الحق في أفول ،فأهل الباطل يتكلمون ويعملون ليلا ونهارا ، سراً وجهارا .

إن اقتصارنا على كلام المجالس معناه ضياع أعمارنا في أماني التغيير ، والتحسر إذا حصل المخطط الكبير من أهل العلمنة والتدمير .

إن اقتصارنا على كلام المجالس يا مسلمون معناه ضعف إيماننا ،فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكنَّ الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل .

فهل آن الآوان لأن نبدأ العمل ؟‍‍‍‍اللهم اجعلنا من أنصار دينك ، وحماة عقيدتك ، وحراس ملتك ، اللهم اجعلنا عاملين بكتابك ، مهتدين بسنة نبيك ، اللهم اجعلنا مباركين لأمة صلى الله عليه وسلم ، اللهم اجعلنا سلما لأوليائك ، حربا على أعدائك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

(1) الآداب الشرعية لابن مفلح (1/37) .

(2) انظر: عودة الحجاب (1 / 143) .

(3) كتاب حجاب المسلمة بين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ص 509 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت