فهرس الكتاب
أُجريت لها العمليةُ بنجاحٍ، وأزيلَ الماءُ الأبيض، وعاد إليها بصرها بفضل الله تعالى، حدّث عنها زوجها أنَّها قالت: لولا اثنتان لأحببت أن أصبر على حالي، ولا يمسني رجل أجنبي: قراءتي القرآن، وخدمتي لك ولأولادك. [18]
ما أعظم شموخ المرأة المسلمةِ بعزتها وعفافها !! وما أجمل أن تُرى المرأة مصونةً فخورة بحشمتها!!
أكرم به من إيمانٍ يتجلّى في صورةِ عمليةٍ صادقة، بعيدةً عن التكلف أو التنطع، سالمةً من الرياءِ وشوائبِ الهوى!!
فأين أولئك النساء اللواتي كسرنَ طوق الحياء، وأسلمن أنفسهنَّ لدعاة الرذيلة وأدعياءَ المدنية، وأصبحنَّ يلهثنَ وراء شهواتهن، ويتبارين في التفسخِ والانحلال، أين هنَّ من تلك المرأة العفيفة الطاهرة؟!
ولَكَم يتفطر القلب أسىً وحزناً على أولئك الفتيات الزهراوات، اللواتي طاشت بهنَّ الأهواء، وأسلمنَ أنفسهنَّ بكلِّ غفلةٍ وبلاهةٍ لكل ناعق؟!
إنّ الحياء شعبة من شعب الإيمان، وعنوان من عناوين العفة والفضيلة، تقوم قواعده على أُسسٍ راسخةٍ من التقى، وأصولٍ متينةٍ من الصلاح، ولهذا قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: (( الحياءُ كله خير ) )رواه مسلم . بل عظّم النبي- صلى الله عليه وسلم - من شأنه فقال: (( إن لكلِّ دينٍ خلقاً، وخلق الإسلام الحياء ) ) [19]
ويُتأكّد ذلك في حقِّ المرأة، فسِترها رمز حيائها، وحجابُها دليلُ كرامتها. وإذا اختلّ حياءُ المرأة تزلزلت أقدامها، وعصفت بها الفتن، وأصبحت سلعةً رخيصةً تباع بأبخس الأثمان، ويعبثُ بها دهاقنة الفساد، وأئمة الهوى، (وليس لمن سُلِبَ الحياءَ صادّ عن قبيح، ولا زاجر عن محظور؛ فهو يُقدم على ما يشاء، ويأتي ما يهوى ) [20]
وقديماً قال الشاعر:
فلا والله ما في العيشِ خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
يعيشُ المرءُ ما استحيا بخيرٍ ويبقى العودُ ما بقي اللحاءُ
خامساً: صور من الحياء المذموم
-أن تمدَّ المرأةُ يدها إلى رجلٍ أجنبي فيصافحها ، وتزعم أنَّهُ استحيا منه، وقد قال رسول ا صلى الله عليه وسلم: (( لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحل له ) ) [21] .
-عدم قول الحق والجهر به: قال تعالى: (( وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ) ) (الأحزاب: من الآية53) .
قال الإمام النووي - رحمه الله -: ( فقد يُشكلُ على بعض الناس من حيث إن صاحبَ الحياءِ قد يستحي أن يواجه بالحقِّ من يجله , فيتركُ أمرهُ بالمعروف ونهيه عن المنكر ، وقد يحملهُ الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك، مما هو معروفٌ في العادة . وجواب هذا ما أجاب به جماعةٌ من الأئمة، منهم الشيخ أبو عمر بن الصلاح- رحمه الله- أن هذا المانعُ الذي ذكرناه ليس بحياءٍ حقيقةً، بل هو عجزٌ وخورٌ ومهانة، وإنما تسميتهُ حياءً من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياءَ الحقيقي، وإنما حقيقةُ الحياء خلقٌ يبعث على ترك القبيح , ويمنعُ من التقصير في حقِّ ذي الحق , ونحو هذا ) [22]
-عدم سؤالها عما أشكل عليها في حياتها ، تقول أُمِّ سَلَمَةَ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمفَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ ) )فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَعْنِي وَجْهَهَا وَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَوَ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ ؟ قَالَ: (( نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا ) )رواه البخاري .
يقول الإمام النووي ـ رحمه الله ـ في شرح صحيح مسلم: ( قولها:(( إن الله لا يستحي من الحق ) )قال العلماء: معناه لا يمتنعُ من بيانِ الحق ، وضرب المثلِ بالبعوضةِ وشبهها، كما قال سبحانه وتعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ) ) (البقرة: من الآية26) .
فكذا أنا لا أمتنعُ من سؤالي عما أنا محتاجة إليه. وقيل: معناه: إنَّ الله لا يأمرُ بالحياءِ في الحق ولا يبيحه ، وإنما قالت هذا اعتذاراً بين يدي سؤالها، عما دعت الحاجة إليه: مما تستحي النساء - في العادة - من السؤال عنه ، وذكره بحضرةِ الرجال ، ففيه: أنَّهُ ينبغي لمن عرضت له مسألةً أن يسأل عنها ، ولا يمتنعُ من السؤال حياءً من ذكرها ، فإنَّ ذلك ليس بحياء حقيقي، لأنَّ الحياءَ خيرٌ كله ، والحياءُ لا يأتي إلاَّ بخير ، والإمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير ، بل هو شر . فكيف يكونُ حياء، وقد قالت عائشة- رضي الله عنها-: نعم النساء نساءُ الأنصار ، لم يمنعهنَّ الحياء أن يتفقهن في الدين ) .
وليس من هذا الباب ما تفعلهُ بعض النساء، فتسأل عبر الهاتف، أو مِن خلال الشاشة، أسئلةً خاصةً بالنساء، أو ما يتعلقُ مع زوجها، فيسمعها كل الناس !!، فإنَّ الواجب في مثل هذه الحالةِ أن تُهاتف أحد العلماء فتحادثهُ في أمرها ، وقد فعل ذلك السلفُ الصالح- رضي الله عنهم- وأرضاهم فمن ذلك: