فهرس الكتاب

الصفحة 23274 من 27364

أما الفتوى فقد صدرت من أعلى هيئة شرعية (هيئة كبار العلماء) مدعومةً بالدليل، مُدللة بفقهِ الواقع، مُعتبرةً للمآلات، مقدرةً للنتائج، أليست هذه الهيئة محلُ ثقتِنِا.. أليست فتواها معتبرة لرجالنا ونسائنا؟

وإذا كانت فتواهم غير مقنعةٍ عند فئة قليلة في المجتمع فهي بحمد الله مَحلٌ للثقة والاعتبار عند غالبية المجتمع

وهل يُراد من هذه الإثارات لقيادة المرأة للسيارة بين الفينة والأخرى هزُّ الثقة بهذه المرجعية الشرعية في بلادنا؟

هل يسوغُ أن نستمع للهيئة العليا في بلادنا، فيما نشاء ونحب ونتجاهلُ رأيها حين لا نشاءُ ولا نحب؟ إنها انتقائية يرفضها العقلُ المنصف ويردها الشرعُ المطهر، فالحكم الشرعي إذا صدر من أهل الفُتيا والعلم الشرعي فليس لمسلم أن يكون له الخيرة {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (سورة الأحزاب / 36)

أليس الله يقول لنا {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (سورة الأنبياء / 7)

ولقد سُئل أهل الذكر فأجابوا، وأُحيل موضوعُ قيادة المرأة للسيارة لهيئة كبار العلماء فأفتوا.. فماذا بعد؟

أنرغب أن تكون أمورٌ حياتنا فوضى، كلٌّ يتدخل فيما يعنيه ومالا يعنيه، وكلٌّ يهرف بما يعرف وما لا يعرف، وكلٌّ يجعل من نفسه حكماً ومفتياً هذا يحلل وذلك يحرم، وهذا يخطئ وذاك ينتقد، وخامسٌ يُجرّم وسادس يتهم.. وهكذا تتحول أمورنا إلى فوضى عارمة، وفتنة عمية تفرق جمعنا وتذهب ريحنا، ويفرح العدوّ حين تكون المعركة محتدمةٌ بيننا.. ألسنا نعطي القوس باريها في أمور السياسية والاقتصاد وننتقد حين يتدخل المهندسُ في عمل الطبيب أو يستشار الطبيب في عمل هندسي.. وهكذا في أمورنا الأخرى.. فلماذا نحيد ونتجاوز في مسألةٍ حُكمِ قيادة المرأة للسيارة عن الهيئة الشرعية التي اختارها الحاكمُ وزكاها.. وأحال إليها الأمر ورضي فتواها؟

ولقد أحسن نائب رئيس مجلس الشورى صُنعاً وكان حصيفاً ومقنعاً ومنطقياً ومنصفاً حين قال (المسألة شرعية ولهيئة كبار العلماء الكلمة) وقال المهندس محمود طيبة طيّب الله وجهه (إن المسألة يجب أن تناقش من قبل أعلى هيئة شرعية في البلاد، وهي هيئة كبار العلماء لأنها سبق وأن أفتت في الأمر(جريدة المدينة، ملحق الرسالة 26 / 4 / 1426 هـ)

على أن قضية قيادة المرأة للسيارة في بلادنا سبق وأن صدر فيها قرارٌ سياسي، حين كانت شرارتها الأولى في أيام أزمة الخليج الأولى في التسعينات وحينها صدر قرارُ الدولة بمنع قيادة المرأة للسيارة، بل وأكثر من هذا عوقبت اللاتي خرجن من النساء بالفصل من أعمالهن، واستنكار تصرفاتهن، فهل يريد المثيرون لهذه القضية من جديد إعادة الأمر جذعة... ومراغمة الحكم الشرعي والقرار السياسي؟ إن ذاكرتنا تحتفظ بهذه المواقف ولن تنس هذه الأحكام المنهية للفتنة، وتثمن تلك القرارات الحصيفة.

أيها المؤمنون: إن قيادة المرأة للسيارة عند أولي النهى لا تتعلق بقضية واحدة ولا بحكم فقهي محدد بل يستتبعها ويُحلق بها أمورٌ أخرى لا بد أن نعيها ونتفطن لها حين تُثار هذه القضية، ومن التسطيح أن نقارن بين ركوب المرأة للجمل في الماضي وقيادتها للسيارة في زمن السعار الجنسي والاختناق المروري، وغزو الفضائيات، ومن التغفيل أن تنظر لها كقضية مفردة فهي جزء من مشروع كبير طالما دندن حوله المغموسون في ثقافة المرأة، والمنبهرون بوضع المرأة الغربية..

إنه جزءٌ من تغريب المرأة.. وإن شئت فقل تغريب المجتمع والقضية كذلك رهانٌ تُسابق عليه فئةٌ قليلة، وتتطلع من خلاله إلى التمرد على السلطة الشرعية.. وعلى القيم والأعراف وتريدان أن تفرض إرادة الفئة القليلة على الأغلبية الساحقة..

ومن هنا كان سمو وزير الداخلية واعياً ومدركاً لطبيعة مجتمعنا حين قال مؤخراً (إن القضية تتعلق بالمجتمع) وحين لا نحتاج إلى الاستفتاء في مسألةٍ صدر الحكم فيها.. فلن يكون الاستفتاء النزيه - لو وقع - في مصلحة المطالبين بقيادة المرأة للسيارة..

وقيادة المرأة للسيارة لا ينبغي أن تفصل عن مشاكلنا الاقتصادية وأن دلّس فيها المدلسون، ولا عن اختناقاتنا المرورية وأن تجاهلها المتعجلون، ولا عن قيمنا وأعراضنا وأن تسامح فيها المتسامحون.

قيادة المرأة للسيارة ستنقل المرأة من امرأة مخدومة إلى امرأة خادمة وستنقلها من ظِلال المنزل إلى وهج الشمس ومن أمنِ القرار ونعومةِ المظهر إلى خطر الإطارات المتفجرة وذبول الزهرة بالتعب والمعاناة.

من يُكرم المرأة أهو الذي يستجيب لطلباتها ويوفر حاجاتها أم الذي يسوقها لتذهب بنفسها في حمأة الظهيرة، ويضطرها للخروج بنفسها أو بمن تعول في ساعات متأخرة من الليل في الحالات الطارئة؟

كم تتعرض النساء للمضايقات من قبل السفهاء وهن مُترجلات وفي خطواتِ محدودة.. فكيف سيكون الحال إذا قادت السيارة بعيداً عن وليها وبيتها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت