الأمر الذي يؤكد اختلاف منهج البنين عن البنات ، في جملة المواد ، ولا سيما مواد التربية الإسلامية . وكذلك التخصصات إذْ ليست كلها لائقة بالمرأة ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك .
* وأما فيما يتعلق بالإدارة والإشراف العام على التعليم ، فهذه المسألة هي بيت القصيد .
فهل من المناسب أن يكون لتعليم البنين إدارة مستقلة ، وإشراف مستقل ؟ أو أنه يمكن وضع إدارة واحدة"رجالية"تديرهما؟
لقد كان تعليم البنات منفصلاً في إدارته عن تعليم البنين منذ إنشائه قبل أكثر من أربعين عاماً حتى صدر الأمر بالدمج مؤخراً.
وهذا الإجراء يستدعي طرح التساؤلات التالية:
(1) هل الفصل بين الإدارتين ( الرئاسة والوزارة ) كان من منطلق شرعي أم من منطلق عرفي ؟ وإذا كان الأول فما مستنده الشرعي؟
(2) ما مبررات الدمج ؟
(3) هل كان الفصل بينهما يمثل حرجاً معنوياً على المجتمع والدولة ؟ أو حرجاً (عبئاً) مادياً ؟
(4) ما الآثار السلبية المتوقعة من الدمج ؟
ولنأخذ هذه التساؤلات متسلسلة .
التساؤل الأول: هل كان الفصل بين الإدارتين من منطلق شرعي أو من منطلق عرفي؟
والحق أنه سؤال في غاية الوجاهة ؟
فإذا تقرر لدينا عدم جواز الاختلاط بكل صوره وتقرر وجود التميز في تعليم المرأة في كثير من أشكاله ومضامينه ، حسبما مر معنا ، فهل يمكن بعد هذا أن يقال مثل ذلك في الإدارة والإشراف ؟
إن الحديث عن الإدارة والإشراف على تعليم البنات له جانبان:
الأول: من حيث التأنيث والتذكير.
الثاني: من حيث الاستقلال.
فمن جهة التأنيث أو التذكير ، فالأمر فيه سعة من وجهة نظري ، فمن الممكن أن يقوم عليها الرجال ، كما يمكن أن يقوم عليها النساء .
فمسألة تأنيث الجهاز الإداري لتعليم البنات أمر اعتباري ينظر فيه إلى مصلحة التعليم ، إذا ما استثنينا قمة الهرم الإداري , التي تتطلب مواصفات القاضي ، والوزير .
ومن جهة الاستقلال فإنها مسألة فيها نظر .
فهل يمكن اعتبارها قضية شرعية أو عرفية؟
الحق أنها قضية شرعية وعرفية في آن واحد ، أما من حيث الشرع:
أ ـ فقد بان لنا أن تعليم المرأة قد امتاز عن تعليم الرجل بميزات واختص بخصائص ، فرضت عليهما الانفصال دون الاختلاط ، الأمر الذي يؤكد أن لكل منهما استقلاليته الواضحة ، ودمجهما يلغي هذه الاستقلالية .
ب ـ وهو (الاستقلال) شرعي بالنظر إلى المقاصد الشرعية .
"وقد ثبت بالاستقراء وتتبع الأحكام المختلفة في الشريعة أن القصد الأصلي لها هو تحقيق مصالح العباد وحفظ هذه المصالح ودفع الضرر عنهم ، على أن هذه المصالح ليست هي ما يراه الإنسان مصلحة له ونفعاً حسب هواه، وإنما المصلحة ما كانت مصلحة في ميزان الشرع لا في ميزان الأهواء والشهوات"الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان ص 378"."
ومعروف أن المصالح تشمل:الدين والدنيا .
ووجه كون الاستقلال فيه مصلحة ظاهرة:
1ـ أنه يعبر عن سمْت المجتمع القائم على الفضيلة ، وعن سمْت الدولة المسلمة (رعاها الله ) .
2ـ وهو يمنح تعليم البنات شخصية اعتبارية ذات قوة لا تتوافر مع الدمج.
3ـ وهو يضفي على هذا التعليم صبغة إسلامية تبرزه أمام العالم ، وبخاصة العالم الإسلامي ، الذي يتطلع إلى وجود نماذج تحتذى يستفيد منها. والدمج يفوت تلك المقاصد أو المصالح .
4ـ ولأن"النظر في مآلات الأشياء"معتبر شرعًا"، فإذا كان الشيء يؤول إلى مصلحة كان مطلوبًا شرعًا كتعليم الفتاة بشكل عام ."
وإذا كان يؤول إلى مفسدة ـ تحقيقًا أو غلبة ظن ـ فيكون ممنوعاً ، مثل تجاور مدارس البنين والبنات .
فإنه يترتب عليه الاختلاط من بعض الوجوه مما لا تدعو إليه الحاجة .
ومثل اختلاط الطلاب والطالبات في المراحل ( السنوات ) الأولى الابتدائية ؛ فإنه وسيلة إلى الاختلاط في بقية المراحل التالية .
فيكون ذلك وأشباهه ممنوعًا من باب سد الذرائع .
( ومعناه حسم مادة وسائل الفساد دفعا لها، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع من ذلك الفعل في كثير من الصور ) الفروق للقرافي: الفرق الثامن والخمسون .
وقضية دمج إدارة تعليم البنات بإدارة تعليم البنين ، ربما يؤول إلى ما هو أشد خطورة ، فربما قال قائل بعد فترة:
ما دامت الإدارة واحدة فلماذا لا تتحد المناهج ، ولماذا لا يخلط الطلاب والطالبات ، ولماذا و لماذا ؟؟
ومن هنا كان المؤسسون لتعليم البنات ـ وفي مقدمتهم الملك فيصل والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهما الله ـ على وعي بهذه الأمور ، ولذلك اتخذت التدابير الاحترازية السليمة .
ذلك من حيث الشرع ، أما من حيث العرف والعادة فإن الفصل بين الإدارتين ملائم ذلك تماما .
(( والعوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعًا ) )كما يقول الشاطبي ( الموافقات: 2/286 ) .
وتقاليد هذا البلد كثير منها عربي أصيل ، قد توارثته الأجيال ، وهي لا تقبل الاختلاط بين الجنسين مطلقًا .
التساؤل الثاني: ما مبررات الدمج ؟
الحقيقة أنني لم أجد مبررات رسمية يعتمد عليها ، وإنما هي وجهات نظر تعبر عن أصحابها وردت في بعض الصحف ، وربما يكون من أبرزها: