وتقول مديرة"البوادر"ان مدرستها مثل باقي المدارس الخاصة تتبع منهج وزارة التربية السورية في تعليم المواد المدرجة، لكن الإضافي يكمن في"تخصيص دروس إضافية لتعليم الدين وإقامة نشاطات اجتماعية خارج الدوام الرسمي، إضافة إلى تنظيم مسابقات دينية". لكن أهم عنصر يكمن في كون معظم المدرسات من المحجبات.
وتبدو قصة هذه المدرسة نموذجية لجهة فهم كيفية انتشار مدارس"القبيسيات". اذ ان"البوادر"تأسست العام 1977، وكانت مدرسة عادية. لكن آل الملاح، كانت لديهم مدرسة صغيرة في حي المزة وتحقق نجاحاً بعد آخر بسبب اهتمامها بأصول الدين وجهدها لحماية التقاليد. وتقول المديرة:"في العام 1999، اشترى اخوتي هذه المدرسة ووسعنا الصفوف لأن الإقبال بات عليها كثيراً".
وتروي إحدى فتيات منطقة"القنوات"في دمشق القديمة ان معظم آنساتها كن جميلات وكن من"القبيسيات"، وان مدرسة منهاج الرياضيات حاولت إقناعها بضرورة وضع الحجاب، وتقول:"كانت الآنسة ترتدي المعطف الكحلي الغامق والحجاب الأزرق الغامق. وكانت ترتدي تحت المعطف تنورة زرقاء مع قميص ابيض وجوربين سميكين وحذاء اسود من دون أي كعب".
حلقات"سرية"ودروس علنية
يتأرجح نشاط"القبيسيات"المنزلي بحسب الظروف المحيطة أمنياً وسياسياً ودينياً في البلاد والمنطقة. وسجلت العقود الثلاثة الأخيرة انتقالهن بين النشاط العلني والدروس في المساجد والمدارس وبين اقتصار نشاطهن على البيوت.
ويرى النائب السوري الإسلامي محمد حبش ان ابرز ما يميزهن هو"تجنب الدخول في السياسة سواء تأييد النظام أو رفضه. والجماعة لم تتورط في أي عمل ضد البلد". هذا في المرحلة التي شهدت صراعاً مسلحاً وعنيفاً بين تنظيم"الإخوان المسلمين"والسلطات في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات.
وفيما يعتقد خبراء مستقلون ان"القبيسيات"يشكلن الظل النسائي للإسلام السياسي، يقول حبش ان"لا مشروع سياسياً لديهن. لجأن إلى العمل السري بسبب ظروف سورية في الثمانينات"، أي أنهن لسن تنظيماً بل خلايا تنمو في شكل حلزوني وتصاعدي.
وقيل ان مرتبة"القبيسية"تعرف من لون منديلها، فكلما اقترب اللون إلى الاسود اقتربت الداعية من الآنسة منيرة. لكن الأمر الأكيد، ان اللباس الموحد المعتمد، هو المعطف الكحلي مع غطاء رأس بلون كحلي ترتدي تحته القبيسية"قمطة"لشد الشعر تحت الغطاء. وبعض القبيسيات يرتدين منديلاً اسود لغطاء الوجه، مع جوربين نسائيين سميكين وحذاء اسود من دون كعب. وتؤكد الداعيات على عدم تشذيب الحاجب و"عدم التبرج"عبر وضع المساحيق على الوجه.
ويوضح الداعية محمد سعيد رمضان البوطي:"انهن يرتدين الحجاب الكحلي لتمييزهن عن غيرهن. وغطاء الوجه ليس اجبارياً. ليس هناك إجبار على ذلك إلى ان يصير ثبات ديني عند الفتاة، بعدها ممكن ان تلبس المنديل اذا شاءت".
الكحلي للوسطية
ولم يكن صدفة اختيار"الآنسة"منيرة اللون الكحلي، ذلك ان هناك اعتقادا شائعاً ان سبب اختيار اللون هو للدلالة على"الوسطية بين الأبيض والأسود، بين التطرف والإعتدال". وقال البوطي:"لديهن مقاربات علمية وفكرية ومعظمهن من خريجات الجامعات وعلوم الطب والهندسة، وهن منفتحات وابعد ما يكن عن التطرف".
الواضح ان الفترة الأخيرة شهدت تشجيعاً من قبل السلطات لـ"القبيسيات"على عدم إعطاء دروس في المنازل مقابل إعطاء تراخيص لدروس علنية بدلاً من"الحلقات السرية".
وكانت السلطات سمحت في الفترة الأخيرة لـ"القبيسيات"باعطاء دروس في مساجد"المحمدي"و"بدر"و"سعد"في المالكي، اذ أوضح البوطي ان عدداً من الشيوخ ابلغ السلطات انه"من مصلحتكم ان تعطوا الموافقات للعمل بالعلن. أعطوهن المواثيق للعمل العلني لأن عملهن مستقيم ووطني ليس فيه أي شائبة ولا علاقة له بالسياسة".
من هي"الآنسة الأم"؟
ولدت منيرة القبيسي عام 1933 في دمشق، لأسرة تضم عشرة أطفال: ستة شباب يعملون في التجارة أو المهن ذات الكفاءات العلمية العالية، وأربع فتيات ربات بيوت.
درست في مدارس العاصمة السورية إلى ان نالت إجازة في العلوم الطبيعية، استندت اليها في التدريس في مدراس حي"المهاجرين"وبقية إحياء دمشق.
وفي بداية الستينات، زاوجت بين النشاطين الدعوي والتعليمي، وذلك في ضوء اقترابها من"جامع ابي النور"التابع لمفتي سورية الراحل احمد كفتارو. وقال نجله حسن كفتارو:"نتيجة النشاط الدعوي منعت من التدريس في المدارس".
ساهم هذا المنع من جانب الحكومة اليسارية حينها، في أمرين: الأول، إقامة منيرة في جامع أبي النور والإقبال على التعلم على يد كفتارو، والثاني اتجاهها إلى دراسة علوم الدين في كلية الشريعة في جامعة دمشق.
وخلال العقدين الماضيين ترواح نشاط منيرة القبيسي بين العلني والسري، لكنها استطاعت من خلال المزج بين الأمرين من توسيع نشاطاتها في المحافظات السورية قبل ان تعبر حدود البلاد في مرحلة أولى والعالم العربي في مرحلة ثانية، الى ان بلغ عدد"اتباعها"اكثر من 75 ألف فتاة، كحد أدنى، وفق ما أجمعت عليه تقديرات متابعين وشيوخ.