فهرس الكتاب
ولم تنتهِ القصة هنا، ثمة من روى على لسان أحد الأمناء العامين للأحزاب ذات الشعارات الكبيرة لكن القليلة العدد والمعدومة التأثير، أنه يستطيع تأمين نجاح حزبه والحصول على خمسمئة ألف صوت في الانتخابات البرلمانية لأنه على علاقة طيبة مع"أبو القعقاع"الذي وصلت"كاسيتاته وسيدياته"الى كل قرية ومدينة في سوريا.
لكن"أبو القعقاع"اليوم حليق الذقن... بدون مسجد وبدون خطابة طالما أن"الجهاد"في العراق أصبح مستحيلا بعدما عملت السلطات الأمنية على رفع الكثير من السواتر الترابية وزرعت المئات من مراكز المراقبة ونحو سبعة آلاف من حرس الحدود"الهجانة".
جند الشام
يبدو أن هؤلاء حالة مختلفة تماما، صحيح أن بيانا لم يصدر عنهم يؤكد نشاطاتهم في سوريا، أو يرد على العمليات الأمنية الاستباقية التي كان من نتائجها قتل العشرات منهم واعتقال المئات، لكن يجب أن نعترف أنهم موجودون. ربما ليس جميع السلفيين في سوريا يحملون هذا المسمى التنظيمي، لكنهم أصبحوا كثراً وفي غالبية المحافظات السورية.
البعض من المراقبين يشك في مدى صحة البيانات الرسمية عن العمليات الأمنية التي نفذت ضد هؤلاء السلفيين، لكن هذه العمليات، وبالأخص المعلن منها رسميا، فاقت ومنذ أكثر من عام، العشر، وراح ضحيتها الكثير ومن الطرفين، وعليه من غير الجائز تصوير السلطات الأمنية السورية وكأنها تملك"مصنعا"لا ينضب من"الضحايا"مختصاً بفبركة مثل هذه العمليات، إن ذلك يحتاج الى المئات من الإسلاميين ورجال الأمن لقتلهم حتى تنجح"الفبركة". إن هذا غير منطقي.
ثم لماذا يتم تصديق السلطات الأمنية في السعودية التي خاضت الكثير من المواجهات المسلحة ضد"تكفيريين"ولا نصدق السلطات السورية؟ كذلك كيف نقبل السياق الاقليمي، العراقي، المصري، الأردني، الذي تعرض ومازال لمثل هذه الحوادث، ثم نشكك في ما يجري في سوريا التي تكتسحها مثل غيرها من بلدان المنطقة موجة من الفكر الاسلامي"الجهادي"التكفيري". يبدو أن وراء هذا التشكيك موقفا سياسيا من النظام في دمشق، كذلك تلعب"الماكينة"الاعلامية الرسمية المتخلفة والقائمون عليها وطرق تعاملهم مع مثل هذه الأحداث، دورا في تكريس مثل هذه الشكوك."
إن"جند الشام"أو غيرهم، سواء نشطوا تحت هذا الاسم أم غيره، باتوا متواجدين بكثرة. وبخلاف العقود السابقة حيث عرفت سوريا إسلاما معتدلا ومتسامحا، اليوم يقوم الكثير من هؤلاء بالترويج للاتجاه السلفي في عموم المدن والأرياف السورية، وخاصة ريف دمشق وحلب وحماه وادلب وبعض المناطق الشرقية، وهذه هي الخطوة الأولى على طريق التطرف.
ولأن أصحاب هذه الاتجاهات معروف عنهم صداميتهم وجهرهم بعدائهم ل"الدولة"كما أنهم ينتقدون"التساهل"الرسمي إزاء المرأة"المتحررة"، كذلك هم خلال نقاشات عامة غالبا ما يكفرون أبناء المذاهب والأديان الأخرى، كما أنهم يصرّون دائما على مراعاة السلف في المظهر حيث اللحية الطويلة والشوارب المحفوفة والثوب القصير والنظرات الصارمة، ذلك كله يسهل كثيرا على رجال الأمن السوريين المعروفين أصلا بخبرتهم، اختراقهم واصطيادهم.
ومن صفات أصحاب الاتجاه السلفي في سوريا أن غالبيتهم من الشباب، ومنهم من له سوابق جنائية، كما انهم يفتقدون لرموز اجتماعية تحظى باحترام شرائح متعددة، وهم بذلك على عكس"الأخوان المسلمين"سابقا، حيث أن شخصية مثل عصام العطار كانت تحظى بقبول مجتمعي. والغاية من إيراد ذلك، تفيد لناحية أن السلفيين غير محميين ولا يحظون بغطاء اجتماعي، وهذا يسهّل على السلطات الأمنية اختراقهم وكشفهم.
إسلام الناس والنخب
والتجار والسلطة
أثار قرار اتخذه أخيرا وزير الأوقاف السوري محمد زياد الأيوبي يقضي بضرورة إكمال الطلاب مرحلة التعليم الأساسي حتى يتسنى لهم من بعدها دخول المدارس الشرعية، حفيظة بعض رجال الدين الذين رأوا فيه"محاولة لتجفيف منابع التعليم الديني".
وكان الطلاب في وقت سابق يستطيعون دخول المدرسة الشرعية بعد مرحلة التعليم الابتدائي مباشرة، في وقت لا تتجاوز اعمارهم الثانية عشرة. لكنهم اليوم يحتاجون ثلاثة أعوام إضافية. رجال الدين هؤلاء حملوا معهم"احتجاجهم"هذا الى رئيس الجمهورية بشار الأسد، حين التقى بفاعليات دينية منذ أيام.
هذا يشير الى مناخات اجتماعية جديدة ومختلفة لم تكن موجودة في سوريا قبل عقود.
واليوم يحرص المسؤولون العلمانيون في حزب البعث والدولة وعلى رأسهم الرئيس الأسد على حضور جميع المناسبات الدينية، وآخرها الاحتفالات بمناسبة عيد المولد النبوي حيث شارك رئيس الجمهورية والى جانبه العشرات من المسؤولين في حزب البعث والقادة الأمنيين والوزراء، رجال الدين احتفالهم بهذه المناسبة.