وإذا كانت سوريا الخمسينات والستينات من القرن الماضي تعج بالكثير من الأحزاب اليسارية والقومية العلمانية التي وضعت نفسها على مسافة من الدين لتحظى بقبول الجمهور، فإن عموم بقايا هذه الأحزاب وقادتها لا يوفرون فرصة اليوم للتعبير عن احترامهم ل"الاسلام"، حتى أن وثيقة"إعلان دمشق"للتغيير الديموقراطي، وغالبية موقعيها هم من العلمانيين والقوميين والناصريين توقفوا عند الإسلام كمرجعية حضارية وثقافية لا يمكن تجاوزها أو القفز من فوقها! وعلى العموم لم يبقَ شيء يذكر من سوريا الخمسينات والستينات. فالأحزاب السياسية الموالية والمعارضة بعيدة كثيرا عن نبض الشارع، فاليوم الجماعات الدينية وبعض المرجعيات من رجال الدين هي من تحوز على اهتمام الجمهور.
في هذا الصدد يعتبر الرفاعيون من أتباع المذهب السني أكبر الجماعات تواجدا على خريطة الجماعات الدينية في دمشق وحولها، ثمة من يلقبهم بجماعة"زيد"نسبة الى الجامع في حي الميدان حيث الإمام سارية الرفاعي سليل الأسرة الدينية المعروفة يلتقي مع أتباعه. وتتميز جماعة"زيد"بحضورها الكبير، وما أكسبهم قوة أن عشرات الآلاف من الداعيات"القبيسيات"من النساء اصبحن على مسافة قريبة منهم.
ويبدو أن حظوة"جماعة زيد"في الوسط الاقتصادي والتجاري لعبت دورا في ذلك، فلطالما ركزت"القبيسيات"من أتباع الداعية منيرة القبيسية تلميذة مفتي سوريا السابق الراحل احمد كفتارو، على العمل في صفوف النساء الدمشقيات من النخبة، زوجات التجار الكبار ورجال الاعمال والمسؤولين أيضا وبناتهم. ورغم أن"جماعة زيد"لا يملكون امكانات مالية كبيرة مثل"جماعة كفتارو"لكن يبدو أن قوتهم وحضورهم مستمدين من علاقاتهم الواسعة والطيبة التي يتمتعون بها في الوسط التجاري والاقتصادي. فالشيخ سارية الرفاعي يستطيع أن يؤثر كثيرا في هذا الوسط ويحصل على ما يريد. حتى أن بعضاً من كبار الفنانين السوريين الشهيرين يحسبون لهم ألف حساب، خشية من نقد أو تشهير.
صحيح أنه من الصعوبة قياس مدى تعدادهم البشري، لكن الأهم من ذلك هو حضورهم النوعي، فهم موجودون في الوسط الاقتصادي والتجاري والاجتماعي، وعلى المستوى الرسمي أيضا، لكن ليس على مستوى قيادات المؤسسات الامنية. ربما يلحظ تأثيرهم على مستوى مدير عام، أو محافظ، أو قائد شرطة وما دون ذلك.
أما الجماعة الثانية، فتسمى"جماعة كفتارو"، نسبة الى المفتي الراحل أحمد كفتارو، الذي كان يتمتع بشخصية مؤثرة وشبكة اتصالات ضخمة داخل سوريا وخارجها، كما أنه يتمتع بوضع مالي مهم، ويحظى بقبول رسمي من السلطة السياسية نتيجة اعتداله ووسطيته. ويبدو أن هذه الميزة التي سمحت له ولأولاده وأقربائه من بعده التغلغل بين مختلف الشرائح الاجتماعية في المجتمع الدمشقي وخارجه، سببت له مع مرور الوقت"نقمة"استفادت منها جماعة"زيد"الرفاعية. فالرفاعيون وإن لم يعلنوا أنهم ضد السلطات بقوا على مسافة منها، هذه المسافة تجلت وظهرت من خلال ملاحقة السلطات بعض من أفرادها ومحاربتها للبعض الآخر. وكان من نتائج ذلك أن تعاطف معهم جمهور لابأس به على عكس جماعة كفتارو المقربة من السلطة.
الجماعة الثالثة تسمى"جماعة الفتح"، نسبة الى معهد الفتح الإسلامي الذي يديره ويشرف عليه رجل الدين حسام الفرفور وهو أيضا سليل أسرة دينية دمشقية. وهذه الجماعة أقل تأثيرا وقوة ونفوذا من تلك الجماعتين، وعلى سبيل المثال فإن مشروعاً لشراء قطعة أرض لبناء جامع أو معهد ديني لمصلحة"مجمع الفتح"، احتاج في وقت ما الى تبرعات بقيمة 150 مليون ليرة سورية، هذه المجموعة أو الجماعة لم تجمع سوى 20 مليون ليرة، مما أضطرهم للاعتماد على"جماعة زيد"، حيث يستطيع هؤلاء جمع المبالغ التي يريدونها، طالما كان لهم تأثير كبير على النخبة.
في السياق ذاته، ثمة تواجد وحضور ومريدون واتباع لشخصيات دينية معروفة مثل محمد رمضان البوطي الأستاذ في كلية الشريعة بجامعة دمشق والشيخ محمد راتب النابلسي، الى عضو مجلس الشعب محمد حبش، وايضا هناك الكثير من المريدين لمفتي الجمهورية أحمد حسون في حلب ومحيطها، كذلك هناك جماعة من اللاعنفيين متأثرة بأفكار الشيخ جودت السعيد إلا أن هؤلاء قليلون جدا مقارنة بتلك الجماعات الثلاث.
في النهاية لا بد من توضيح مسألة ضرورية وهي أنه لا يوجد خلافات بين"جماعة زيد"و"جماعة كفتارو"أو"الفتح"على أسس فقهية أو دينية، بل الفرق يكمن في وصفهم وتصنيفهم اجتماعيا من قبل الجمهور"الاسلامي".
"النهار"