بعد محاولاتنا في البداية التحدث إلى إحدى"القبيسيات"وجها لوجه، سواء من العضوات الجدد أو القديمات، ورفضهن القاطع للتحدث مع الصحافة، توجهنا للحديث مع بعض الفتيات اللواتي كنا منتميات"للجماعة"، لكنهن تركن، وكانت تلك المحاولة في بداية عملنا، حيث أخبرتنا"رشا"أنها عندما قدمت من السعودية للدراسة في الجامعات السورية وضعتها أمها في بيت للطالبات تديره صديقة والدتها، ولكنها فوجئت بالطريقة التي يعشن بها، حيث يستيقظن مع آذان الفجر، فيتوضأن ثم يصلين، وبعدها يقرأن القرآن، وتبدأ كل شابة منهن باستلام مهامها المنزلية، حسب الجدول الذي قد وزع مسبقاً بما يتناسب مع دوام الطالبات في الجامعة.
و تتابع"رشا"شارحة بأن طريقة العمل في ذاك المسكن تختلف عن الطريقة الشائعة عند الجميع، فالفتيات يلبسن داخل المنزل البنطال القطني و القميص نصف كم وفوقه قميص نوم كم طويل صيفاً شتاءً، ويضعن غطاءً خفيفاً على الرأس، كما أنهن يكنسن المنزل بعدد مرات معينة و يجلين الصحون كذلك، حتى يتم تطهيرها تماماً، كما أنهن يغسلن الرز بطريقة معينة ليصبح طاهراً.. كل ذلك في جميع تفاصيل حياتهن، وأن المنزل لا يحوي تلفاز أو راديو أو أي شيء و أن صوت تلاوة القرآن هو الصوت الوحيد الذي يسمح سماعه، وأن الفتيات عليهن أن يعدن في وقت محدد لأن المنزل لا يستقبلهن بعد ذلك، أشبه بالسكن الداخلي لكن مع قوانين صارمة، وأن أغلب الفتيات في هذا المنزل هن من السوريات اللواتي يسكن أهلهن في الخارج، وأن تعاليم القبيسيات هي التي يطبقنها، ليصبحن بذلك قبيسيات سواء أرادوا أو لم يردن، لأن عدم التزامهن بالتعاليم يعني عدم بقائهن في المنزل، والأهل لن يرضين أو لن يجدوا لابنتهن مكاناً أصلح من هذا يتماشى مع العادات و التقاليد و حتى تعاليم الدين، وتركز القبيسيات على التأكيد على أن المرأة لا تشبه الرجل، ويبعدنهن عن المبادئ التي ينادى بها من مساواة بين الجنسين و غيرها...
وتضيف"رشا"و التي كانت ترتدي"جاكيت"بني اللون و بنطال الجنيز، أنها كانت تلاحظ أن المعلمة المسؤولة عن المنزل، تعامل بشيء من القداسة، وأن أوامرها تنفذ بحذافيرها من دون نقاش، وأن الفتيات اللواتي كن يسكن المنزل من الأغنياء ولم يكن هناك من الطبقات الفقيرة، على الرغم من أجرة المنزل الرمزية التي كانت تؤخذ مقارنة بالآجارات، وأنها عندما سألت عن سبب هذا الوضع، قوبلت باستهجانٍ من المعلمة، ثم طلب منها المغادرة بعد أن أعلنت أنها لا تريد أن تقوم بما يفعلن من طقوس"جديدة"خارجة عن الفروض الدينية، و بعد ذلك تصمت رشا و تختم حديثها قائلة:"حاولوا أن يلغوا عقلي و يوقفوه عن التفكير!".
لا يقتصر تواجد القبيسيات في مجال التعليم على امتلاكهن بيوتاً لسكن الطالبات، يفرضن فيها عقيدتهن و شروطهن الخاصة، و حسب احصائيات شبه رسمية حصلنا عليها، تمتلك"القبيسيات"نحو 40 مدرسة تتبع بشكلٍ أو بآخر للشيخة منيرة القبيسي من أصل نحو 80 مدرسة خاصة، تنتشر في جميع الاحياء الدمشقية، تعمل فيها أكثر من 75 الف امرأة ومربية"قبيسية"، تقع في أرقى مناطق مدينة دمشق، تدرس منهاج وزارة التربية السورية، لكنها تركز على حصص التربية الدينية بشكل أكبر ويتم من خلال هذه المدارس دعوة الطالبات الجدد، ممن تقرر المدرسات أنهن يصلحن ليكن منهن.
ومن أشهر مدارسهن حسب تلك الإحصائيات مدرسة"البوادر"في منطقة كفرسوسة وهي أكبرها، ومدرسة"دار الفرح"في منطقة المهاجرين و"دار النعيم"و"مدرسة عمر بن الخطاب"في المزة و"عمر عبد العزيز"في الهامة و"دوحة المجد"في المالكي و"البشائر"في المزة.
وعن طريق هذه المدارس استطعن إقناع الشابة"لين"بالانتساب لهن، إذ أخبرتنا أنها انتسبت إلى القبيسيات بإرادتها بعد أن دعتها معلمتها في المدرسة هي و صديقتها لحضور دروس الدين في منزلها، وأن المعلمة أخبرتها أنها ذكية و جميلة و عليها أن تشكر الله أكثر و تتقرب منه لأنه وهبها هذه الصفات، تقول"لين":"عندما دعونني كنت في مرحلة عمرية يحاول كل إنسان فيها التمسك بالدين و المبادئ، لذلك وجدت فيما كن يقلنه شيئاً عظيماً، وأحسست بشيءٍ من الرهبة عندما كنت أدخل دروس الدين في منزل معلمتي، التي كان لها وجهٌ ملائكي، وطريقة كلامٍ رائعة، حتى أن حبي لها هو الذي دفعني لحضور الدروس أكثر من الدروس نفسها، فلقد كنت متعلقة بها بشكل مرضي، وأن كل ما تقوله منزّل ولا أخالفه".