فهرس الكتاب

الصفحة 23708 من 27364

تشرف «القبيسيات» على تدريس مئات الآلاف من التلاميذ منذ نعومة أظافرهم وبطريقة محافظة تلازمهم في المراحل اللاحقة عبر الدروس أو المساجد، وصولاً إلى رعايتهم عبر المساعدات الخيرية والأهلية وتقديم بعض الخدمات الطبية في مستشفى «سلامة» الواقع خلف السفارة الأميركية والتابع لهن، وعبر توفير بعض الكتب الحاملة لأفكارهن من خلال مكتبات امتلكنها مثل مكتبة «السلام» في منطقة البرامكة وسط دمشق.

وتروي إحدى فتيات منطقة «القنوات» في دمشق القديمة ان معظم آنساتها كن جميلات وكن من «القبيسيات» ، وان مدرسة منهاج الرياضيات حاولت إقناعها بضرورة وضع الحجاب. وتقول: «كانت الآنسة ترتدي البانطو الكحلي الغامق والحجاب الأزرق الغامق. وكانت ترتدي تحت البانطو تنورة زرقاء مع قميص ابيض وجوربين سميكين وحذاء اسود من دون أي كعب» . وتضيف: «سألتني ذات مرة. هل تستطيعين تحمل حرارة الصيف؟ فقلت: لا. عندها قالت: ماذا عن نار جهنم. وعندما فشلت في إقناعي بوضع الحجاب، حاول عدد من الفتيات المحجبات دعوتي إلى عيد ميلاد إحداهن. لكن فوجئت ان معظم الحديث كان عن ضرورة وضع الحجاب» .

حلقات «سرية» ... ودروس علنية

يتأرجح نشاط «القبيسيات» المنزلي بحسب الظروف المحيطة أمنياً وسياسياً ودينياً في البلاد والمنطقة. وسجلت العقود الثلاثة الأخيرة انتقالهن بين النشاط العلني والدروس في المساجد والمدارس وبين اقتصار نشاطهن على البيوت.

ويرى حبش ان ابرز ما يميزهن هو «تجنب الدخول في السياسة سواء تأييد النظام أو رفضه. والجماعة لم تتورط في أي عمل ضد البلد» . هذا في المرحلة التي شهدت صراعاً مسلحاً وعنيفاً بين تنظيم «الإخوان المسلمين» والسلطات في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات.

وفيما يعتقد خبراء مستقلون ان «القبيسيات» يشكلن الظل النسائي للإسلام السياسي، يقول حبش ان «لا مشروع سياسياً لديهن. لجأوا إلى العمل السري بسبب ظروف سورية في الثمانينات» . أي أنهن لسن تنظيماً بل خلايا تنمو في شكل حلزوني وتصاعدي.

والمقصود بـ «السرية» ، ان «القبيسيات» كن يلجأن في السنوات السابقة إلى الحذر لدى تنقلهن أو تجمعهن في البيوت الخاصة لإعطاء دروس دينية دورية. ومن أنواع الحذر ان لا يخرجن سوية في شكل جماعي لدى انتهاء الدرس وان لا يضم الدرس اكثر من ست طالبات، باستثناء المناسبات العامة مثل احياء ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم أو ليلة القدر. وهناك اعتقاد ان المناسبات الاجتماعية والدينية تشكل مناسبة لكسب عضوات جديدات.

وقيل ان مرتبة «القبيسية» تعرف من لون منديلها، فكلما اقترب اللون إلى الاسود اقتربت الداعية من الآنسة منيرة. لكن الأمر الأكيد، ان اللباس الموحد المعتمد، هو المعطف الكحلي مع غطاء رأس بلون كحلي ترتدي تحته القبيسية «قمطة» لشد الشعر تحت الغطاء. وبعض القبيسيات يرتدين منديلاً اسود لغطاء الوجه، مع جوربين نسائيين سميكين وحذاء اسود من دون كعب. وتؤكد الداعيات على عدم تشذيب الحاجب و «عدم التبرج» عبر وضع المساحيق على الوجه. ويوضح البوطي: «انهن يرتدين الحجاب الكحلي لتمييزهن عن غيرهن. وغطاء الوجه ليس اجبارياً. ليس هناك إجبار على ذلك إلى ان يصير ثبات ديني عند الفتاة، بعدها ممكن ان تلبس المنديل اذا شاءت» .

ولم يكن صدفة اختيار «الآنسة» منيرة اللون الكحلي، ذلك ان هناك اعتقادا شائعاً ان سبب اختيار اللون هو للدلالة على «الوسطية بين الأبيض والأسود، بين التطرف والإعتدال» . وقال البوطي: «لديهن مقاربات علمية وفكرية ومعظمهن من خريجات الجامعات وعلوم الطب والهندسة، وهن منفتحات وابعد ما يكن عن التطرف» .

الواضح ان الفترة الأخيرة شهدت تشجيعاً من قبل السلطات لـ «القبيسيات» على عدم إعطاء دروس في المنازل مقابل إعطاء تراخيص لدروس علنية بدلاً من «الحلقات السرية» . ويقول صلاح الدين كفتارو: «حركة الدروس في البيوت مخيفة، والنظام الوطني يجب ان يصل إلى الدروس وان تصل الأجهزة والمناظير اليها. بالتالي من حق الدولة ان تمنع الدروس في البيوت، لكن ليس في المساجد» .

وكانت السلطات سمحت في الفترة الأخيرة لـ «القبيسيات» باعطاء دروس في مساجد «المحمدي» و «بدر» و «سعد» في المالكي، اذ أوضح البوطي ان عدداً من الشيوخ ابلغ السلطات انه «من مصلحتكم ان تعطوا الموافقات للعمل بالعلن. أعطوهن المواثيق للعمل العلني لأن عملهن مستقيم ووطني ليس فيه أي شائبة ولا علاقة له بالسياسة» . واتفق نجلا كفتارو والبوطي على ان «الأخوات القبيسيات يقمن بالدعاء المستمر للرئيس بشار الأسد من دون التطرق إلى السياسة» . وزاد البوطي: «ولاؤهن للوطن كبير» .

«الآنسة الأم»

ولدت منيرة القبيسي عام 1933 في دمشق في أسرة تضم عشرة أطفال: ستة شباب (بهجت، وليد، موفق، ماهر، ممتاز، رضوان) يعملون في التجارة أو المهن ذات الكفاءات العلمية العالية، وأربع فتيات يعملن ربات بيوت. ودرست منيرة في مدارس العاصمة السورية إلى ان نالت إجازة في العلوم الطبيعية، استندت اليها في التدريس في مدراس حي «المهاجرين» وبقية إحياء دمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت