فهرس الكتاب

الصفحة 23758 من 27364

دانيا (30سنة) عبرت عن رأيها بغضب ظاهر ربما ينبع من مرارة تجربتها العائلية كما استشفينا من حديثها:"المشكلة هي أن الكثير من الناس مصابون بانفصام شخصية. يعني يجبرونني على الحجاب، لكن القنوات التلفزيونية الوحيدة التي يتابعونها في البيت رجالا ونساء هي قنوات الأغاني"الداعرة". كأن الأمر تغطية لتناقضاتهم وعقدهم النفسية بمظاهر معينة لا أكثر. لذلك عندما قاومت فرضهم لفكرة الحجاب علي، كنت أقاوم أكثر من الفكرة بكثير. كنت أقاوم خضوعي لتناقضات لم أستطع حلها. كنت أطلب من أبي وأنا في بداية المرحلة الثانوية أن أحصل على نقود لكي أشتري كتابا أو أسجل في ناد رياضي في إحدى الألعاب التي كنت مهووسة بها، فيجيبني، خذي نقودا وانزلي إلى السوق واشتري حجابا. لم أفهم أبدا هذه المعادلة في ذلك الوقت، لكنني قاومتها بشدة مع حبة مسك. يعني هو رفض منحي القبول، وأنا رفضت الحجاب وقررت إيجاد عمل لكي أستقل ماديا وألغي تلك المعادلة نهائيا، وهذا ما حصل".

بينما علقت أخرى وهي أيضا محامية متمرنة ترتدي الحجاب مع مكياج لطيف وملابس لا تخلو من الجمال ولفت النظر:"الإسلام ليس معقدا، وأنا أريد أن أؤدي واجبي الديني وأعيش حياتي في نفس الوقت بما لا يخالف الدين والأخلاق، هذا التوازن ضروري لكي أحب نفسي. لن أكون سعيدة إذا لم أشعر بجمالي في الحدود التي لا أكون فيها مبتذلة!".

الحق في الاختلاف أم استبداد آخر

المجتمع يغتني بما يضمه من اختلاف وتنوع، على ألا يتحول ذلك إلى شقاق وتنافر. من الملفت للنظر أن نستمع من الشباب والصبايا إلى تعابير الحرية الشخصية واحترام الآخر ولكن السؤال إلى أي مدى تنعكس هذه التعابير في سلوكهم وحياتهم اليومية؟ وإلى أي مدى تكون مقاومتهم لأي من أشكال السلطة التي تكبح جموحهم وطموحهم غير منطوية على رفض للآخر المختلف؟

يقول حسن:"كما أن هناك مظاهر تطرف إسلامي، ليس نادرا أن نجد أحيانا مظاهر تطرف علماني إن صح التعبير. والتطرف بجميع أحواله غير مبني على العقل والمنطق. هذا التطرف يدفع بأصحابه إلى الانعزال عن الآخر وعدم التعاطي معه وهو يؤدي إلى الجهل بهذا الآخر وبالتالي الحكم عليه من بعيد وقطع أية إمكانية للحوار بين الطرفين".

تقول ملك:"أنا لست محجبة ولا سبور spo r t. وبالتالي،"السبور"يعتبرونني من"التقليديين"، والمحجبات يدعين لي بالهداية. كل طرف ينظر بشكل سيء للآخر. وأنا أعتبر نفسي لا من هؤلاء ولا من هؤلاء. أنا أنا وانتهينا".

أما ريم فتقول:"المجتمع هو الذي يفرض نوعا من المشاعر السلبية تجاه بعض المظاهر. وبالتالي يخلق نوعا من الاحتقان والغضب يذهب بمقولات الحقوق واحترام الآخر أدراج الرياح. على سبيل المثال، أصبح الحجاب عائقا أمام الكثير من الفتيات للحصول على وظيفة مناسبة، وهذا تمييز حقيقي يجعل من المحجبات يشعرن بالاضطهاد ويخلق لديهن مشاعر سلبية تجاه السفور وليس تجاه أرباب العمل الذين يمارسون هذا السلوك. في الطرف الآخر، وعلى سبيل المثال أيضا، تلقيت عبر بريدي الالكتروني أثناء رمضان الفائت رسائل بريدية بعنوان"القائمة السوداء"واعتقدت لوهلة أنها لأسماء إرهابيين أو مجرمين ولم يخطر ببالي أنها كانت أسماء ممثلين تبين أنهم لا يصومون في رمضان. وهذا خلق استياء لدى العديد من متلقي هذه الرسائل ممن لا يصومون وشعروا بأنهم صنفوا بدورهم ضمن قوائم سوداء لمجرد أن لهم قناعاتهم الخاصة. بعض هؤلاء، ومن خلال نقاشاتنا، كانوا يشعرون بأن شهر رمضان أمسى ثقيلا على قلوبهم وأنهم لا يرغبون بقدومه مع أن ذلك لم يكن شعورهم من قبل".

سألْنا شابا أمريكيا يدرس اللغة العربية في سوريا عن رأيه في موضوعنا بصفته"مراقبا حياديا"، إن أمكن القول، فقال:"السوريون من أكثر الناس الذين التقيتهم انفتاحا في الشرق الأوسط الذي زرت بلدانا كثيرة منه. إنهم متسامحون تجاه معتقدات الغير، لكن هناك فرق بين التسامح والقبول، فكلما أركب التكسي ويعرف السائق أنني غير مسلم، يبدأ بالحديث عن الإسلام ويحاول أن يقنعني به، بينما لم أستطع حتى أن أناقش مسألة الزواج ما بين مسيحي ومسلمة مع أصدقائي المسيحيين السوريين، فهو أمر مرفوض تماما بالنسبة إلى معظمهم"!.

وتمس ريم ما تعتقد أنه صلب الموضوع حين تقول:"الموضوع بمجمله يتمحور حول ثقافة مجتمع، منذ متى ونحن نمارس احترام الآخر المختلف مهما كان اختلافه دينيا أو سياسيا أو أي شيء آخر؟!".

على هامش الموضوع

سألت أم سامر وأنا أقلب صور صباها القديمة وهي ترتدي مثل"شادية"و"سعاد حسني"في ذلك الوقت، لماذا كان ذووكم يسمحون لكم بارتداء هذه الملابس الجميلة القصيرة الملفتة للنظر بينما أنتم اليوم تفضلون الفتاة المحجبة وتثنون عليها؟ أجابت:"لم يكن هناك وقتها من يهدينا، كنا جهلة، أما جيل اليوم فلديه من يهديه إلى الطريق القويم ويأبى أن يهتدي!".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت