فهرس الكتاب

الصفحة 23862 من 27364

قال الحسن:"هو أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله، يرحمك الله.. وعلى هذا تكون الآية عامة في المؤمن والكافر، أي قل للجميع".102

قال ابن كثير:"]وجادلهم بالتي هي أحسن [، أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب.. فأمر تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ] فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى [ وقوله: ] إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله[ (النحل: 125) الآية، أي قد علم الشقي".103

ويلفت ابن تيمية النظر إلى أن الله قال: ] ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن[ (النحل: 125) ، فطلب الجدال بالتي هي أحسن،"ولم يقل بالحَسنة كما قال في الموعظة، لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة، فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن، حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة".104

قال الشوكاني في تبيان معنى الحكمة:"أي بالمقالة المحكمة الصحيحة"، بينما فسّر الموعظة بأنها تلك"التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها".105

وإن من الحكمة والموعظة الحسنة أن لا نجبه من ندعوه بقولنا: يا كافر. في باب العيب واللمز ، وإن كنا لا نشك في كفره يقول نظام الحنفي:"لو قال ليهودي أو مجوسي: يا كافر. يأثم إن شق عليه"106، وذلك الإثم يلحق صاحبه لهجره الحكمة في الدعوة والتي هي أحسن في البلاغ.

2.الغض عن إساءة الآخر ومقابلتها بالإحسان

لا ريب أن اختلاف العقائد يورث الضغائن، وقد يصدر من اللسان ما يسوء المسلم سماعه، سواء ما كان متعلقاً بمعتقده أم بشخصه، وهذه الإساءة فرع عن الكفر الذي يتلبس به المحاور، فماذا يكون موقف المحاور المسلم؟ هل يغلق باب الحوار ويوقف مسار الدعوة، أم يتغاضى عن خطأ الآخر سياسة وصوناً لمصلحة الدعوة؟

لا ريب أن الموقف يفرض التصرف الأمثل الذي يسلكه الداعية تجاه هذا العدوان، إذ قد أذن الشرع برد العدوان: ] وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [ (النحل: 126) ، قال القرطبي:"أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم، فعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم، ولئن صبرتم عن عقوبته، واحتسبتم عند الله ما نالكم به من الظلم، ووكلتم أمره إليه حتى يكون هو المتولي عقوبته ] لهو خير للصابرين[ يقول: للصبر عن عقوبته بذلك خير لأهل الصبر احتساباً وابتغاء ثواب الله".107

وفي الصبر على أخطاء المخالف يقول الله: ] ادفع بالتي هي أحسنُ السيئةَ نحن أعلم بما يصفون[ (المؤمنون: 96) .

قال الطبري:"وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها: أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك".108

ويقول ابن كثير:"أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى..".109

ونقل الطبري عن مجاهد في سياق تفسيره لقوله تعالى: ] ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن [ قولَه:"إن قالوا شراً، فقولوا خيراً: ] إلا الذين ظلموا منهم[ فانتصروا منهم".110

وقال تعالى مبيناً للمؤمنين ما سيتعرضون له من أذى المشركين، وآمراً إياهم بالصبر والتقوى: )ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً ((آل عمران: 186) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فأمر سبحانه وتعالى بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى .... وقد قال سبحانه وتعالى: )ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ((المائدة: 8) ، فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم... فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا..".111

وفي آية أخرى أخبر الله بتنكب كثير من أهل الكتاب طريق الإيمان وإعراضهم عما تبين لهم من الحق، بل وصدهم عنه وحرصهم على إضلال المهتدين حسداً وبغياً ، وفي مقابله أمر الله بالعفو والصفح حتى يكون الجزاء في دار عدله: ] ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير [ (البقرة:109) . قال القرطبي:"والعفو ترك المؤاخذة بالذنب ، والصفح إزالة أثره من النفس".112

وقد التزم r أمر ربه فصبر على أذى المشركين وأعرض عنه، ولم يقابل إساءتهم بالمثل، وصور ذلك في سيرته كثيرة.

منها ما صنعه صلى الله عليه وسلم مع اليهود الذين أتوا إليه يحاورونه، تقول عائشة رضي الله عنها: إن اليهود أتوا صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، قال: (( وعليكم ) )، فقالت عائشة: السام عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: (( مهلاً يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف أو الفحش ) ). قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: (( أولم تسمعي ما قلتُ؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ ) ).113

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت