فهرس الكتاب

الصفحة 23863 من 27364

ومثل هذا الأدب صنعه صلى الله عليه وسلم حين قسم قسماً فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، يقول ابن مسعود: فأتيت صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: (( يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا، فصبر ) ).114

ومن حسن المعاملة الإعراض ما أمكن عن المنازعة وأسبابها، ولو بالإعراض عن الإجابة، روى ابن مردويه وابن أبى حاتم بسندهما عن ابن عباس أن قريشاً دعوا رسول ا صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالاً، فيكون أغنى رجل فيهم، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطأون عقبه أي يسودوه.

فقالوا: هذا لك عندنا يا محمد، وكفَّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، وهي لك ولنا فيها صلاح، قال: (( ما هي؟ ) )قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى، و نعبد إلهك سنة.

قال: (( حتى أنظر ما يأتيني من ربي ) )فجاءه الوحي من الله من اللوح المحفوظ: ]قل يا أيها الكافرون [ [الكافرون: 1] إلى آخرها".115"

و قوله في هذا الحديث: (( حتى أنظر ما يأتيني من ربي ) )نوع من التلطف في الخروج من الموضوع.

قال ابن تيمية:"قد يقول هذا من يقصد به دفع الظالمين بالتي هي أحسن، ليجعل حجته أن الذي عليه طاعته قد منع من ذلك، فيؤخر الجواب حتى يستأمره، وإن كان هو يعلم أن هذا القول الذي قالوه لا سبيل إليه، وقد تخطب إلى الرجل ابنته فيقول: حتى أشاور أمها، وهو يريد أن لا يزوجها بذلك، و يعلم أن أمها لا تشير به، وكذلك قد يقول النائب: حتى أشاور السلطان".116 فالإعراض عن الجواب نوع من التلطف وأدب من آداب الدعوة والحوار.

3.ترك الخوض فيما لا يحسنه

لعل من الضروريات التي لا يحسن بأحد تجاوزها عدم خوض المرء فيما لا يملك عليه بينة ولا برهاناً، والرزية أن يهرف المرء بما لا يعرف، وأن يقول ما لا يعلم، وهذا الذي نعاه القرآن على أهل الكتاب، وهو ذم لكل من صنع صنيعهم، قال الله تعالى: ]فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم [ (آل عمران: 66) ، قال القرطبي:"دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده .. قد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأيقن، فقال تعالى: ] وجادلهم بالتي هي أحسن[".117

وقال تعالى: ] إن الذين يجادلون في ءايات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير[ (غافر: 56) .

وفي هذه الآيات تقريع من القرآن الكريم لأولئك الذين يخاصمون الأنبياء، ويلجون إلى الحوار دون دليل ولا برهان، ولأنهم لا يملكون علماً ولا حجة، فإنهم يعالجون مسائلهم بالهوى والجدال بالباطل والتكذيب والاستكبار عن قبول الحق.

و صلى الله عليه وسلم - وهو أعلم الخلق - توقف في حواره مع أهل نجران حتى أتاه علم الله في المسألة التي يحاور فيها، إذ لما جاءه راهبا نجران عرض عليهما الإسلام، فقال أحدهما: إنا قد أسلمنا قبلك. فقال: (( كذبتما. إنه يمنعكما عن الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم: لله ولد ) ).

قال [الحبر] : من أبو عيسى؟ وكان r لا يعجل حتى يأتي أمر ربه، فأنزل الله تعالى: ] إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [ (آل عمران: 59) )) .118

فالمشاركون في الحوار مدعوون لالتزام هذا الهدي النبوي، وعدم الخوض في قضايا الحوار المختلفة إلا ببينة من الله أو برهان من رسوله.

4.ترك المجال للمحاور بذكر معتقده

ولما كان الحوار يدور بين طرفين أو جهتين، فإنه من الطبيعي أن يعرب كل طرف عن معتقده، وأن يذكر ما يجول في خاطره من تساؤلات، يبحث عن إجابة لها، وقد يقع المحاور غير المسلم بما لم يعتده المسلم من أدب واحترام لشعائر الإسلام، فقد يذكر اسم صلى الله عليه وسلم مجرداً، وقد يقول بأن القرآن من كلام محمد، أو أن المسيح هو الله، وغيرها مما يعتقده ويستنكره المسلم ويستقبحه، بل قد يرغب المحاور بممارسة طقوسه وعبادته، فهل يؤذن له بذلك طلباً لاستمرار الحوار وطمعاً في مصلحة غالبة؟

وفي الإجابة عنه نقول: وقع مثل هذا زمن صلى الله عليه وسلم ، فقد قبِ صلى الله عليه وسلم من حَبر يهودي أن يخاطبه باسمه مجرداً من النبوة، إذ هو مما لا يعتقده محاوره، قال ثوبان: كنت قائماً عند رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: (( إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي... ) ).119

وحين حاور صلى الله عليه وسلم في مسجده بالمدينة وفد نصارى نجران الذي قدم على صلى الله عليه وسلم في خمسة عشر رجلاً بقيادة أسقفهم أبي الحارث؛ أذن لهم صلى الله عليه وسلم أن يقيموا صلاتهم في أحد أركان مسجده.120

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت