فهرس الكتاب
قال ابن القيم:"وفيها جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وفيها تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً، ولا يمكنون من اعتياد ذلك".121
ويقول:"أما الآن فلا مصلحة للمسلمين في دخولهم مساجدَهم والجلوس فيها، فإن دعت إلى ذلك مصلحة راجحة جاز دخولها بلا إذن".122
ومن صور تسامح المسلمين في حوارهم مع أهل الكتاب تمكينهم من الإعراب عن عقائدهم ومحاورة المسلمين فيما يشكل عليهم فهمه من أمور الإسلام ، ومن ذلك أن المغيرة بن شعبة أتى أهل نجران"فقالوا: ألستم تقرؤون: ]يا أخت هارون[ (مريم: 28) ، وقد علمتم ما بين موسى وعيسى. قال المغيرة: فلم أدر ما أجيبهم."
فرجعتُ إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال: (( ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم ) ).123
يقول ابن تيمية:"وهذا السؤال الذي هو سؤال الطاعن في القرآن لما أورده أهل نجران الكفار على رسول رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ولم يجبهم عنه: أجاب عنه صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل لهم: ليس لكم عندي إلا السيف، ولا قال: قد نقضتم العهد إن كانوا قد عاهدوه، وقد عرف أن أهل نجران لم يرسل إليهم رسولاً إلا والجهاد مأمور به".124
وهكذا فالإفساح للمخالف في الإعراب عن دينه وممارسة شعائره لون فريد من ألوان التسامح الإسلامي، وهو أيضاً أدب آخر من آداب الحوار والجدال.
5.مداراة المحاور وإكرامه وحسن التعامل معه
ومن آداب الحوار حسن المعاملة مع المحاور، ومداراة المحاور الآخر وإكرامه وحسن استقباله، فعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً استأذن على صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: (( بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة ) )فلما جلس تطلَّقَ صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه.
فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: (( يا عائشة، متى عهدتني فحَّاشاً، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره ) ).125
وفي شرح الحديث ينقل ابن حجر عن القرطبي قوله:"في الحديث .. جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى ... والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا , وهي مباحة, وربما استحبت , والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا , و صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقولٍ، فلم يناقض قوله فيه فعله , فإن قوله فيه قول حق , وفعله معه حسن عشرة ...".
وعقّب ابن حجر بقوله:"وهذا الحديث أصل في المداراة".126
ومن المداراة مناداة المحاورين غير المسلمين بما يليق بهم من ألقاب يستحقونها، وتحيتهم تحية مناسبة، كقول صلى الله عليه وسلم: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ) ). 127
قال ابن حجر:"قوله: (( عظيم الروم ) )فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة, لأنه معزول بحكم الإسلام , لكنه لم يخله من إكرام لمصلحة التألف..". 128
قال النووي:"ولم يقل: إلى هرقل فقط , بل أتى بنوع من الملاطفة فقال: (( عظيم الروم ) ), أي الذي يعظمونه ويقدمونه , وقد أمر الله تعالى بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام، فقال تعالى: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [ (النحل: 125) ، وقال تعالى: ] فقولا له قولاً ليناً[ (طه: 44) وغير ذلك".129
وأيضاً من المداراة للآخرين الفعل الحسن، كعيادة مريضهم، وإكرام وفدهم، تأسياً ب صلى الله عليه وسلم في صنيعه مع عدي بن حاتم الطائي وعكرمة بن أبي جهل قبل إسلامهما.
قال عدي بن حاتم:"أتيت رسول ا صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفعتُ إليه أخذ بيدي .. حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها". 130
ولما قدم عكرمة بن أبي جهل على صلى الله عليه وسلم قال له: (( مرحباً بالراكب المهاجر ) )، وفي رواية الطبراني: فلما رآه صلى الله عليه وسلم قام إليه، فاعتنقه، وقال: (( مرحباً بالراكب المهاجر ) ).131
ومن قبل أحسن صلى الله عليه وسلم معاملة أبيه على طغيانه وكفره، يقول المغيرة بن شعبة: إن أول يوم عرفت فيه رسول ا صلى الله عليه وسلم أني كنت أمشي مع أبي جهل بمكة، فلقينا رسول ا صلى الله عليه وسلم فقال له: (( يا أبا الحكم، هلم إلى الله وإلى رسوله وإلى كتابه، أدعوك إلى الله ) ).132 فنادا صلى الله عليه وسلم بأحب الأسماء إليه تألفاً لقلبه.
ومن المداراة وحسن التعامل مع الآخر صنيع مؤمن آل فرعون مع قومه، فقد كان يقول لهم مع كل نصيحة: ] يا قوم [ (غافر: 30، 32، 38، 39، 41) . يتألفهم بذلك. قال القرطبي:"فقال: ] يا قوم[ ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه".133