فهرس الكتاب

الصفحة 23869 من 27364

وأكد ذلك رضي الله عنه في عهدته المشهورة لأهل القدس، فقد جاء فيها"هذا ما أعطى عبد الله عمر بن الخطاب - أمير المؤمنين - أهل إيليا من الأمان: أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها: ألا تسكن كنائسهم ولا تهدم ، ولا ينتقص منها، ولا من خيرها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم..".169

وبخصوص آية السيف، فإن العلماء لهم فيها تأويلات سوى تأويلها المشهور، فقد فسرها الطبري بأنها دعوة للوحدة في وجه المشركين، لا أنها تدعو لقتالهم أجمعين، يقول الطبري:"يقول جل ثناؤه: ]وقاتلوا المشركين[ بالله - أيها المؤمنون - جميعاً غير مختلفين، مؤتلفين غير مفترقين، كما يقاتلكم المشركون جميعاً، مجتمعين غير مفترقين".170

ونقل عن ابن عباس وقتادة والسدي أقوالاً في ذلك، فالآية - وفق تفسيره - ليست أمراً بشن الحرب على الكفار جميعاً، بل دعوة للتناصر والوحدة في وجه العدو الذي يقاتلنا مجتمعاً.

والقول بنسخ آيات الجدال يعارضه قول طائفة من العلماء من التابعين وغيرهم، يرون آيات الجدال محكمة، ومنه قول مجاهد عن قوله تعالى: ] ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن [ قال:"هي محكمة، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة، وقوله على هذا ] إلا الذين ظلموا منهم[ معناه: ظلموكم، وإلا فكلهم ظلم على الإطلاق...".

ثم ساق القرطبي قول القائلين بالنسخ، وأتبعه بقوله:"وقول مجاهد حسن، لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها: إنها منسوخة؛ إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول، واختار هذا القول ابن العربي".171

قال ابن تيمية:"فهذا مجاهد لا يجعلها منسوخة، وهو قول أكثر المفسرين".172

ومن هؤلاء المفسرين ابن كثير، فهو أيضاً يميل إلى رد دعوى النسخ في آيات جدال الكفار، فيقول:"بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن، ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [ الآية، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: ] فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى[، وهذا القول اختاره ابن جرير، وحكاه عن ابن زيد".173

وقال ابن الجوزي:"وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وفيه بُعد، لأن المجادلة لا تنافي القتال، ولم يقل له: اقتصر على جدالهم، فيكون المعنى: جادلهم، فإن أبوا فالسيف، فلا يتوجه نسخ".174

-وكذا ادعى بعض أهل العلم النسخ في قوله تعالى: ] فإنما عليك البلاغ[ (آل عمران:20) ، لكن غيرهم من العلماء ضعفوه وخالفوهم فيه، وردوا عليهم دعواهم لعدم الدليل عليها. قال القرطبي:"أي: إنما عليك أن تبلغ، قيل: إنه مما نسخ بالجهاد. وقال ابن عطية: وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها".175

-وقد ادعوا النسخ أيضاً في قوله تعالى: ] وإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين [ (النحل: 82) ، قال ابن الجوزي:"ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى الاقتصار على التبليغ دون القتال، ثم نسخ بآية السيف، وقال بعضهم: لما كان حريصاً على إيمانهم مزعجاً نفسه في الاجتهاد في ذلك سكّن جأشه بقوله: ] إنما أنت نذير [ (هود: 12) و] فإنما عليك البلاغ[، والمعنى: لا تقدر على سوق قلوبهم إلى الصلاح، فعلى هذا لا نسخ". 176

-وقال ابن الجوزي عن آية سورة الرعد ] فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب[ (الرعد: 40) :"قالوا: نسخ بآية السيف، وعلى ما سبق تحقيقه في نظائرها لا وجه للنسخ".177

-وادعى بعض أهل العلم نسخ قوله تعالى: ] لست عليهم بمسيطر[ (الغاشية: 22) ، فقال ابن الجوزي:"وقد قال بعض المفسرين في معناها: لست عليهم بمسلط، فتكرههم على الإيمان، فعلى هذا لا نسخ...".178

-وادعى بعض أهل العلم أيضاً نسخ آية سورة التين، وهي قوله: ] أليس الله بأحكم الحاكمين[ (التين: 8) ، فقالوا:"نسخ معناها بآية السيف، لأنه ظن أن معناها: دعهم وخلِّ عنهم، وليس الأمر كما ظن، فلا وجه للنسخ".179

وبهذا البيان تبين أن القول بنسخ آيات الجدال دعوى لا تقبل إلا ببرهان قاطع، لأن النسخ دعوى لرفع لوجوب العمل في بعض أمر الله، ولا يصار إلى مثل هذا إلا بدليل معتبر يكافئه.

ومثل هذا الدليل لم نجده عند أولئك الذين ادعوا نسخ آيات الجدال بالجِلاد ، بل هم محجوجون بفعل الصحابة ثم إطباق العلماء على إحكام هذه النصوص وعدم رفع أحكامها.

محظورات في الحوار

ينظر الكثيرون من الغيورين إلى الحوار نظرة المتشكك المرتاب في أهدافه ومقاصده، كما لا تخطئ عيونهم رؤية بعض الأخطاء التي يقع فيها المحاورون من المسلمين، مما يعزز اعتقادهم بعدم جدوى الحوار لغلبة مفاسده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت