ويرى المتشككون في الحوار أن منطلقات الحوار تدعو للريبة، وأن الذي دفع الغرب بمؤسساته المختلفة تجاه الحوار انفتاح شعوبه على الإسلام، واعتناق ألوف منهم إياه؛ ورأت تلك المؤسسات أن لا جدوى من المجابهة والتحدي، فلجؤوا إلى الحوار للظهور بمظهر الِندّ، لا المهزوم، والموافق لا المجابه، ولعلهم بذلك يطفؤون روح التشوّف إليه لدى رعاياهم، ويُثبتون فيهم هامشية الفروق بين الأديان، وعليه فإن الواجب يفرض علينا تفويت الفرصة عليهم والامتناع عن معونتهم في بلوغ غاياتهم من الحوار.
ومما عمّق هذا الشعور المرتاب أن المؤسسات الكنسية صرحت بنيّتها استغلال الحوار، وجعله وسيلة للتبشير، يقول الدستور الرعوي الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني:"تبدو الكنيسة رمز هذه الإخوة التي تنتج الحوار الصادق وتشجعه، وذلك بفعل رسالتها التي تهدف إلى إنارة المسكونة كلها بنور البشارة الإنجيلية".
كما أصدرت الكنيسة الكاثوليكية وثيقة بعنوان: (حوار وبشارة) عام 1991م، جاء فيها:"إن المسيحين وهم يعتمدون الحوار بروح منفتح مع أتباع التقاليد الدينية الأخرى؛ يستطيعون أن يحثوهم سلمياً على التفكير في محتوى معتقدهم ...".
وأما مجلس الكنائس العالمي البروتستنتي فقد صرح بالدعوة إلى استغلال الحوار للتبشير في كتاب (توجيهات للحوار) ، وفيه:"يمكننا بكل صدق أن نحسب الحوار كإحدى الوسائل التي من خلالها تتم الشهادة ليسوع المسيح في أيامنا".180
لكنا نلفت النظر إلى أن الحوار الذي تشير إليه الكنيسة ليس الحوار الذي تديره المؤسسات العلمية والثقافية التي لا يمكن التأثير عليها، فمثل هؤلاء الحوار معهم محبذ ومحمود، لكن الحوار الذي تنشده الكنيسة وتمارسه حقيقة في كثير من المواطن هو الحوار مع دهماء المسلمين وعامتهم، وهو ما قد ينجح فيه التبشير ويحقق ما يحذره المتشككون والرافضون لمشروع الحوار.
كما يحجم المتشككون في مصداقية جولات الحوار السابقة عن المشاركة في جولاته اللاحقة لما يرونه من مشاركة بعض الأطراف الإسلامية التي لا يخلو منهجها من دخن كالعصرانيين وغيرهم ممن لا يعبرون عن الموقف الإسلامي الأصيل في قضايا الحوار، ولعل من أهم أسباب اتساع هذه المثلبة تباعد الغيورين عن هذا الميدان الذي تضمن مشاركتهم فيه ظهور الموقف الإسلامي الناصع المبني على هدي الكتاب والسنة.
وينقل الدكتور أحمد سيف التركستاني بعض حجج المانعين من الحوار، إذ يرون"أن الحوار يقود إلى الفتنة والصدام"، وقاعدة سد الذرائع - حسب رأيهم - تبرر الإعراض عن المشاركة في الحوار، وهذه الحجة يراها الدكتور التركستاني نوعاً من تغييب الحقيقة، ويرى أن تجاوزها ممكن، إذا أخذنا"بشروط الحوار الصحيح الخالي من الجدل العقيم أو غير الملتزم بآداب الحوار". 181
كما يحجم البعض عن المشاركة في الحوار لأنه"يعطي الفرصة لتلميع الآراء الباطلة"وهذا تعميم لا يوافق عليه الدكتور التركستاني ، إذ يرى"الغالب أن الآراء الباطلة إنما تكتسب بريقها إذا انفردت بالأجواء والأضواء ، بعيداً عن الاعتراض عليها والتصدي لها بالحوار"، ويصل إلى نتيجة مفادها أن"الحوار يعطي الفرصة لتوهين الآراء الباطلة وخفض درجة توهجها وبريقها ، وذلك بما يكشفه من الحق المناقض لها ومن الباطل المنطوي فيها". 182
وإذ نسجل هذه الاعتراضات وتلك النظرات المتشككة في مصداقية الحوار، فإننا نرى ضعفها وعدم كفايتها في تغييب صوت الحق عن مجالس الحوار والنقاش، وما تؤدي إليه من تصحيح للمفاهيم الخاطئة وتحييد لبعض القوى والمؤسسات المعادية للإسلام، بل واجتذاب غير المسلمين ودعوتهم إلى دين الله القويم.
وفراراً من الوقوع في أخطاء الماضي ، وسعياً للوصول إلى صورة منضبطة بآداب الشرع نعرض لبعض الأخطاء والمحظورات التي ترتكب في الحوار:
1-الوقوع في المداهنة
لما كانت ملتقيات الحوار بعموم أنواعها تهدف إلى استثمار العلاقات الإنسانية كان لابد أن تتسم لقاءاتها بالكثير من المجاملة التي يحاول المتحاورون من خلالها تغييب الكثير من الشقاق الذي تكنه عقولهم وقلوبهم للآخرين.
وقد رأينا كيف أمرنا رسولنا r ببسط الوجه وحسن اللقاء، وكيف صنع مع أساطين الكفر وصناديد الشرك.
لكن المجاملة والمراءاة قد تؤدي ببعض المتحاورين إلى المداهنة والابتذال، والخضوع بالقول، وكتمان الحق، والسكوت عن الباطل، وقد تدفع بالبعض إلى موادة محاوريهم واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، وموالاتهم وموافقتهم في مواقفهم وآرائهم ومعتقداتهم، مما يوقع المحاور المسلم في سخط الله وغضبه.
فقد أمر الله المؤمنين بالصدع بالحق وعدم كتمانه، فقال آمراً نبيه وهو في مكة: )فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ((الحجر: 94) .
وقال تعالى منبهاً ومحذراً المؤمنين من الوقوع فيما وقع به بنو إسرائيل: ) وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون[ (آل عمران: 187) ، فالمداهنة ليست من شأن المسلم ولا سَمته.