وقال رحمه الله مشنعاً على الشهرستاني قصوره في مجادلته للفلاسفة:"ولهذا كانت مناظرة كثير من أهل الكلام لهم مناظرة قاصرة، حيث لم يعرف أولئك حقيقة ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وما ذمه من الشرك، ثم يكشفون بنور النبوة ما عند هؤلاء من الضلال كما ناظرهم الشهرستاني في كتاب الملل والنحل ..كان قولهم أظهر، فكان رده عليهم ضعيفاً لضعف العلم بحقيقة دين الإسلام ..".192
وهذا العيب نعاه القرآن الكريم على أهل الكتاب، فقال عز وجل: ]ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم[ (آل عمران: 66) .
قال القرطبي:"الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده .. وقد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأيقن، فقال تعالى: ]وجادلهم بالتي هي أحسن[ (النحل: 125) ". 193
وقال ابن كثير:"الآية هذه إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم.. فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجليتها".194
وقال ابن تيمية مبيناً ضرر الجدال بلا علم على المسلمين:"وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظرُ ضعيفَ العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى ذلك الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار، فإنَّ ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة".195
وتجنباً لهذا المحذور أوصى المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة أن"لا يتولى الحوار إلا المختصون من علماء المسلمين"، وأكده في دورته الحادية والعشرين:"أن يتولى تمثيل الرابطة فيها العلماء المختصون بالمواضيع المطروحة في جدول أعمالها".
4-الخروج عن آداب الإسلام في الحوار
ومما يؤخذ على بعض المشاركين في الحوارات العامة، خاصة غير الرسمية منها، - كتلك التي تجري على شبكة الإنترنت - الاستمرار في الحوار، ولو فقد مصداقيته وضل أهدافه، وساء أدبه، فاكتسى من السباب سربالاً، ومن العناد جلباباً.
وهذا ولا ريب من الجدال المذموم، و"قد تكون المصلحة في الامتناع عن مجادلة طائفة منهم أو مع أفراد لسبب أو لآخر، وهذا استثناء …".196
وفي نبذ الجدل العقيم الصادر عن طائفة غير مؤمنة، يقول الله تعالى: ] ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون قالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل[ (الزخرف: 58-57) .
قال الطبري:"ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد هؤلاء المشركين في محاجتهم إياك بما يحاجونك به طلب الحق، بل هم قوم خصمون، يلتمسون الخصومة بالباطل".197
يقول ابن تيمية:"وقد يُنهى عنها [أي المناظرة] إذا كان المناظَر معانداً يظهر له الحق فلا يقبله، وهو السوفسطائي، فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بيّنة بنفسها ضرورية، وجحدها الخصم كان سوفسطائياً، ولم يؤمر بمناظرته بعد ذلك" .198
وقال ابن سعدي في وصف المجادلة المحمودة:"أن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق، لا المغالبة ونحوها )) .199"
ومثل هذا الحوار ينجر عادة إلى السباب المحرم، الذي لا يتوافق مع الدعوة بالحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، بل هو نوع من الرعونة والفحش وسوء الخلق.
وهذه الصفات أبعد ما تكون عن المؤمن، إذ (( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء ) ).200
قال الغزالي:"المؤمن ليس بلعان؛ فينبغي ألا يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم، دون الأشخاص المعينين، فالاشتغال بذكر الله أولى، فإن لم يكن ففي السكوت سلامة".201
ولما قيل لرسول ا صلى الله عليه وسلم: يا رسول اللّه، ادع على المشركين.. قال: (( إنّي لم أبعث لعّانًا، وإنّما بعثت رحمةً ) ).202
قال مكي بن إبراهيم: كنا عند ابن عون، فذكروا بلال بن أبي بردة [الوالي] فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه لأذاه لابن عون وامتحانه له، وابن عون ساكت، فقالوا: يا ابن عون؛ إنما نذكره لما ارتكب منك! فقال: إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة:"لا إله إلا الله"،"ولعن الله فلاناً"، فلأن يخرج من صحيفتي:"لا إله إلا الله"؛ أحب إلي من أن يخرج منها:"لعن الله فلاناً".203
وخشية الانجرار إلى السباب وتقويض غايات الحوار ومقاصده نهى الله عن المؤمنين عن سب ولمز آلهة المشركين وأصنامهم، فقال: ]ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم[ ( الأنعام: 108) .
وقد نقل المفسرون في سبب نزولها أن كفار قريش قالوا لأبي طالب:"إما أن تنهى محمداً وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها، وإما أن نسب إلهه ونهجوه"، فنزلت الآية.204