وقد أفاد القرطبي منها النهي عن سب ولمز سائر ما يقدسه الآخرون، لا من باب التعظيم لها، بل سياسة وتألفاً، يقول:"حكمها باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في مَنَعة، وخيف أن يسب الإسلام أو النبي عليه السلام أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسُبَّ صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك لأنه بمنزلة البعث على المعصية .. وفيها دليل على أن المحقَّ قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين". 205
5-هجر المصطلحات والأساليب الشرعية
ومما يقع به المتحاورون أحياناً هجر المصطلحات والأساليب والحجج الشرعية والتباعد عنها تقرباً إلى الآخرين أو غيره مما يرونه مصلحة للدعوة.
وهذا الصنيع مجاف، بل منافٍ لما عهد من صلى الله عليه وسلم في مخاطبته المشركين.
ومن ذلك أنه لما قدم ضماد مكة أتى صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم: (( إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله ) )، فكانت هذه الكلمات سبباً في إسلامه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم (أعد علي كلماتك هؤلاء.. لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغنَ ناعوس البحر. فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام) .206
ولما كتب صلى الله عليه وسلم رسائله إلى الملوك صدّرها بالبسملة كما في رسالة هرقل (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم.. ) ). 207
قال النووي في فوائد الحديث:"ومنها: استحباب تصدير الكتاب ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم , وإن كان المبعوث إليه كافرًا".208
ولا يمنع هذا مخاطبتهم بلغاتهم وطريقتهم إذا دعت الحاجة إليه، مع الالتزام بالضوابط الشرعية، قال ابن تيمية:"أما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم، فليس بمكروه، إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه".209
إن تعرفنا على محظورات الحوار - التي تخرج به عن ضوابط الشريعة الغرَّاء - يؤزنا لممارسة الحوار ضمن ضوابط الشريعة وآدابها، واللذان يكفلان تحقيق المقاصد والغايات الشرعية التي نتوخى الوصول إليها من خلال حوارنا مع الآخرين.
خاتمة
وبعد، فإن من دواعي سرور العقلاء تنامي الدعوة إلى الحوار في أوساط مختلفة من عالمنا الذي ضاقت شعوبه ذرعاً بحوار البندقية ، ورأت أن الحوار الحضاري والثقافي يقدم بديلاً مناسباً لحل الخلافات المختلفة التي تنشأ بين الأمم والحضارات المختلفة.
فالحوار الحضاري هو الطريق الأفضل لفهم الآخر والتعرف على رؤاه ومقاصده، بعيداً عن الأحكام المسبقة التي تحمل في طياتها ركام أخطاء التجارب السابقة التي تدفع إلى مزيد من الشقاق والاختلاف، وتولد المزيد من الإحباط، وما يستتبعه من ويلات الحروب والمظالم.
وقد رأينا سبق الإسلام - ومنذ انبثاق فجره الميمون - إلى اعتماد الحوار وسيلة حضارية في التفاعل مع الآخرين، وقد قعّد له قواعده ، ورسم له حدوده وضوابطه، ومنع من كل ما من شأنه تهميش هذه الوسيلة الدعوية أو التقليل من حيويتها ونفعها.
ودعاة الإسلام ومؤسسات المجتمع المسلم مطالبة اليوم باستعادة دورها الحضاري، والمبادرة إلى طلب الحوار وعقد ندواته وإشاعة أدبياته، والتصدي للنظريات المتصاعدة التي تدعو للصراع، وتطالب بالحسم قبل بداية دراما نهاية الزمن.
ورابطة العالم الإسلامي إذ تقدم هذه الدراسة ، فإنما تؤكد حرص شعوب العالم الإسلامي على إرساء قواعد الحوار وآدابه وتخليصه من شوائبه ومكدراته، وهي تدفع بها مع انطلاقة منتداها العالمي للحوار بين أبناء الأديان والحضارات المختلفة.
والله نسأل أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجنبنا الزلل ، إنه ولي ذلك، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المصادر والمراجع
* أحكام أهل الذمة، ابن القيم، تحقيق: يوسف البكري وشاكر العارومي، ط1، دار رمادي للنشر، 1418هـ.
* الإحكام في أصول الأحكام، علي بن حزم، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405هـ.
* التعريفات، علي الجرجاني، ط1، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ.
* تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: إبراهيم الأبياري، ط2، دار الكتاب العربي، 1413هـ.
* تيسير الكريم الرحمن، ابن سعدي، ط دار المدني، جدة.
* جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، 1405هـ.
* الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله القرطبي، ط2، دار الشعب، القاهرة، 1372هـ.
* حاشية ابن القيم، ابن قيم الجوزية، ط2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ.
* الحوار الإسلامي المسيحي، بسام داود عجك، ط1، دار قتيبة، 1418هـ.
* الحوار وآدابه، صالح بن حميد، ط1، دار المنارة.