فهرس الكتاب
لقد ظهرت الدعوة إلى حوار يدور بين رجال من المسلمين ورجال من الأديان الأخرى قبل عقود ، تحت شعارات عدة . ولقد رافق هذا الاتجاه نماذج متعددة من الأدب نثراً أو شعراً تدعو إليه . وانتشرت شطرة من بيت شعر تقول:"... إن النصارى إخوة للمسلمين"!
ولقد نشط النصارى في بلاد الشام خاصة نشاطاً واسعاً من خلال الدعوة إلى هذا التقارب ، تدعمهم دول أجنبية متعدّدة استطاعت أن تتسلل إلى قلب الخلافة الإسلامية من خلال هذا الدعم . ورافق هذه الدعوة دعوة أخرى ترفع"العروبة"شعاراً بدلاً من"الإسلام"، ودعوة تنادي بأن لا يكون للدِّين تدخل في الحياة . ونالت هذه الدعوات إعلاماً واسعاً جداً في الصحافة والندوات والمظاهرات والأناشيد . وحسبك هذا النشيد:
مِنَ الشَّامِ iiلِبَغْدانِ
إلى مِصْرَ iiفَتَطْوانِ
ولا دِينٌ iiيُفَرِّقُنا
بِعَدْنَانٍ وغسَّانِ ...
... بلادُ العُرْبِ أَوْطاني
ومِنْ نَجْدٍ إلى iiيَمنٍ
فلا حدٌّ iiيُبَاعِدُنَا
لسانُ الضَّادِ iiيَجْمَعُنا
وغنَّى المسلمون هذا النشيد وردَّدوه في كثير من أصقاعهم ، وغنَّاه الأطفال في مدارسهم . وتنازل الكثيرون عن إسلامهم ، ولم يتنازل النصارى عن نصرانيتهم بل زادوا تمسُّكاً بها ، وارتباطاً مع القوى النصرانيَّة الأوروبيّة والأمريكية . وفي الوقت نفسه ، وهم يتعصَّبون لدينهم ، يتهمون المسلمين بالتعصَّب الطائفي . ويُصدِّق كثير من المسلمين هذه الفرية ، ويحاولون أن يتبرؤوا منها ولو بالتنازل عن بعض خصائص الإسلام وقواعده ، والمشاركة ببعض عادات النصارى ، والنصارى يزدادون تعصباً لدينهم .
وكان من أخطر نتائج هذه الدعوات المتلاحقة بزخارفها القوميَّة والإقليميَّة، والعلمانيَّة ، أن تسلّلت أفكار التنازل شيئاً فشيئاً إلى قلوب بعض المسلمين ، وأخذت تظهر على ألسنتهم بين حين وآخر ، يدعون بها إلى تنازلات واضحة عن بعض قواعد الإسلام ، وإلى تقارب مع بعض الأديان الأخرى كالنصارى وغيرهم، وأخذ هؤلاء يحاولون البحث عن قواعد فقهية يسوّغون بها دعواهم ، ويُنْزِلون الآيات والأحاديث على غير معناها الحق ، ويتهمون المسلمين بأنهم لا يعترفون بالآخر ، خلاف الحقيقة التي تقول إنَّ الآخر هو الذي لا يعترف بالمسلمين وأن المسلمين هم المعتدى عليهم .
كان من بين الدعاة من أخذ يدعو إلى عدم الإصرار على كلمة"الجزية"التي تؤخذ من أهل الكتاب ، ويدعون إلى تغيير اسمها مراعاة لشعور النصارى أو أهل الكتاب بعامَّة ، والبعض الآخر يدعو إلى زواج المسلمة من نصراني أو يهودي ، وإمامة المرأة للرجال في الصلاة تحت شعار مساواة المرأة بالرجل ....الخ، وأخذ بعضهم يدعوا إلى المساواة بين النصارى والمسلمين في أمور أخرى بتحريف آيات الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم يدعون إلى المساواة فيما هو مخالف للنصِّ الصريح في الكتاب والسنَّة .
ومن خلال هذه الاتجاهات أخذت تتزايد الدعوة إلى تقارب الأديان وإلى الحوار بين رجالها وتطرح المسوِّغات لهذه الدعوة بين حين وآخر . واتخذت خطوات عملية في لقاءات بين بعض علماء المسلمين وبين بعض علماء أهل الكتاب ، بالإضافة إلى زيارات إلى الفاتيكان تحت هذا الشعار . من الصعب أن نَذْكُر كلَّ ما تمَّ في هذا الصدد ، ولكن نذكر ما صرَّح به أحد العلماء الذين زار الفاتيكان من أجل الحوار أنَّ البابا قال لهم: نحن لا نعترف ب صلى الله عليه وسلم رسولاً من عند الله . ويتساءل هذا بعد ذلك: فلماذا الحوار إذن ؟! وأقول له: اسأل نفسك لماذا هذا الحوار ! وليس هذا هدفنا بهذه الكلمة ، ولكن هدفنا هو مناقشة المبدأ ومسوِّغاته والنصح للأمَّة بما يُرضي الله .
النقطة الأولى التي يجب أن نسجِّلها هي أنه في الوقت الذي يدعو فيه بعض المسلمين إلى الحوار والتقارب مع الأديان الأخرى ، نجد الدعوة إلى الحوار بين المسلمين أنفسهم وإلى تقاربهم دعوة ضعيفة ، أو نجد أنها تُقاوم أو غير مرغوب فيها نفسيّاً ولا عمليَّاً ، مع أنَّها هي الأوْلى !
والنقطة الثانية هي أن هذه الدعوات تدور وصفوف أهل الكتاب أكثر تماسكاً وصفوف المسلمين أكثر فرقة . وهذه الظاهرة جعلت أهل الكتاب يتعاملون مع المسلمين على أساس من نهج وتخطيط يُغذِّي تعاونهم فيما بينهم لتحقيق أهداف عليا التقوا عليها ، ولا يعطّلها اختلاف أطماعهم على الغنائم من ثروات العالم الإسلامي . وفي الوقت نفسه لا يحمل المسلمون نهجاً ولا خطة يلتقون عليها لتحقيق أهدافهم الربَّانيَّة التي تغيب في عجاج الخلاف والشقاق .
عندما يأتي رجال الدين من أهل الكتاب إلى الرجل المسلم ، فإنهم لا يأتون بوازع فردي معزول عن صفّهم ، وإنما يأتون من خلال توجيه ونهج يخدم أهدافهم المعلنة وغير المعلنة ، ويقف وراءهم صفُّهم . وأما المسلم حين يستقبل منهم أحداً ينكشف عندئذ غياب التخطيط ، وينكشف تباين الآراء ويظهر التراجع أو الوهن ، وينكشف أنه وحده يحمل هواه لا قضية أمته ودينه .