والنقطة الثالثة هي أن بعض قواعد الإسلام تغيب أحياناً في ضباب هذه الدعوات وغموض مصطلحاتها ، حتى إن بعض الآيات أو الأحاديث تُردَّد هنا وهناك كحجَّة لقول القائل ، وتكاد توحي بسلامة هذه الحجة ، حتى إذا دُرِست الآية أو الحديث وعرفت المناسبة وفقهُها تغيَّرت الصورة كلها ، وتغيَّر الفقه والحكم .
والنقطة الرابعة هي أنه لا يحلُّ لنا أن نحمِّل الإسلام وفِقْهَ الإسلام ما يراه البعض من آراء تحت ضغط واقع المسلمين اليوم من وهن وهزائم واستسلام في كثير من المواقع . هنالك أمور غير قليلة في واقع المسلمين يفرضها عليهم الواقع، فلماذا يحاول البعض أن يتلمَّس من بين الآيات والأحاديث مسوِّغات تزيدنا إثماً على إثم ، وتزيدنا اندفاعاً في مسلسلات التنازل ، وتزيد من الخدر في عروق المسلمين .
لا ننكر أننا نحن المسلمين اليوم في ظلمة شديدة وفواجع وهزائم . وإننا نحاول الخروج من هذا الظلام وقد اضطرب الميزان في أيدينا وغلبت الأهواء والمصالح ، وأصبحت النجاة التي يرُومها الكثيرون هي السلامة في الدنيا ، ناسين أمر الآخرة أو غافلين عنه ، وأنه لم يعد هو المعنى الحقيقي للنجاة . الكثيرون يريدون الخلاص من الفقر ومن خطر القتل والإبادة ، ومن العدوان والظلم ، خلاصاً لا يُنجي من عذاب الآخرة .
فتوحي شياطين الإنس والجنِّ إلى بعض النفوس بأنَّ النجاة من أهوال الدنيا هي في مجاملة أعداء الله أو الركون إليهم ، ثمَّ تبنِّي أفكارهم ، ثم الدعوة إليها نيابة عنهم . لقد ظنَّ الكثيرون أنَّ هذا هو باب النجاة من صروف الدنيا وعدوان الظالمين . فهرعوا يتسابقون إلى ذلك ، كلٌّ يعلن عن موالاته أو يُسِرُّه ويعلن غيره. لقد غاب عن بال هؤلاء أن أعداء الله يعرفون الإسلام ، وأن لديهم أناساً متخصصين لذلك ، وأنهم يعلمون علم اليقين أن الإسلام يناقض ما يدّعونه.
عندما يرى هؤلاء أن بعض المسلمين قد أخذوا يتنازلون عن بعض قواعد دينهم ، أو إخفاء بعضها الآخر ، وأنهم يُخْفُون الجهاد ومعانيه ، ويبرزون السلام وأمانيه ، مشوّهين بذلك حقائق الإسلام ، وفاصلين بعضها عن بعض ، فإنهم حين يفعلون ذلك يخسرون احترام هؤلاء الأعداء ، ويخسرون نصر الله وتأييده ، فيخسرون بذلك الكثير الكثير ، ويخسرون أسباب النجاة والنصر . أولئك الذين يركنون إلى أعداء الله يخسرون كل شيء . واستمع إلى قوله سبحانه وتعالى:
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) [ هود: 112-113]
وأخيراً أتساءل وأدعو غيري ليتساءل ويفكر: هل يُعقل أن يبعث الله لعباده أدياناً مختلفة تتصارع فيما بينها ، والله يريد أن يهدي عباده إلى الحق الذي لا يتبدّل ؟! فالدين عند واحد هو الإسلام دين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجميع الأنبياء والرسل ، دين واحد:
( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) [ آل عمران: 19]
وكذلك:
( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
[ آل عمران: 85]
هذا هو الحقُّ من عند الله يقبله القلب ويؤمن به . وإلى ذلك ندعو ونبلِّغ، ونعلن بصورة حاسمة فاصلة !
فالإسلام أعطى لأهل الكتاب من يهود ونصارى حقوقهم العادلة في ظلِّ حكم الإسلام . ولم يجدوا في تاريخهم كله أرحمَ ولا أعدلَ من الإسلام . ولكن الفتنة تقلب الحقائق وتتيه بها النفوس ، وتثور العصبيات الجاهلية لتحرف الناس عن دين الله الحق الواحد ، دين الإسلام