فهرس الكتاب

الصفحة 23917 من 27364

وكلما احتاج الدعاة إلى ممارسة المناظرة والجدل مارسوه بالضوابط الشرعية التي جاءت بها البعثة النبوية , والتي أحدثت نقلة في الحياة البشرية لتعيدها إلى ما ينبغي أن تكون عليه وفق هدي خالقها وموجدها الأعلم بما يصلحها .

وهذه النقلة شملت مناحي الحياة المختلفة بدءاً بالعقائد ومناهج التفكير وانطلاقاً إلى المعاملات والأخلاق والآداب والقيم .

ومن ذلك ضبط سلوك الحوار والمناظرة والجدل عند المسلمين عن ما سواه من السلوك , والذي يمكن أن نذكر أبرز ملامحه في ما يلي:

1-توجيه سلوك المسلمين في اختلافهم فيما بينهم ومع غيرهم ليكون بقصد الوصول إلى الحق وبأساليب تجمع ولا تفرق وتقرب ولا تبعد، وعندما لا يكون الجدل نافعاً فيعرض عنه إلى غيره فهو وسيلة لا غاية .

2-الاعتراف بالاختلاف لكن مع النهي عن التنازع , ومن ذلك اختلافات الصحابة رضوان الله عليهم فيما بينهم بل ومراجعتهم لرسول ا صلى الله عليه وسلم في بعض المواقف والمسائل والتي كانت على سبيل المشاورة والمناصحة ولم تكن على سبيل الجدل بمعناه المطلق الذي يعني المغالبة والمنازعة والإلزام .

3 -تخصيص معنى الجدل المقبول عن مطلق الجدل ليكون كما جاء في كتاب الله ( بالتي هي أحسن ) وهو يقرب من معنى المناظرة التي يقصد فيها إظهار الصواب , وتعريف الجدل بالتي هي أحسن بأنه المناظرة مما قال به عدد من العلماء كما سبقت الإشارة إليه .

بل إن بعض العلماء ينزع إلى استخدام لفظة المناظرة لدلالتها المباشرة على الجدل المشروع وبخاصة عندما يشار إلى جدل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , ولهذا نجد الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله يقول في عنونته لأحد مباحثه في كتابه القيم معارج القبول:"مناظرة الرسل لأعداء الله" (45) وذلك في وصف فعل الأنبياء , كما نجد ابن كثير رحمه الله يصف فعل المشركين بالجدل فيقول:"ومجادلة المشركين لأنبيائهم" (46) .

ولقد غلب في الثقافة الإسلامية مصطلح المناظرة بدلا من الجدل .

4-التأثير في التطبيقات العملية للمجادلات والمناظرات من قبل الأطراف الإسلامية , ومن ذلك ما حمله لنا التراث الإسلامي من مناظرات فيما بين المسلمين أنفسهم كمناظرة ابن عباس للخوارج أو مع غيرهم من اليهود والنصارى والمشركين , بل حتى ما شهدناه في عصرنا هذا وبخاصة ممن يحمل علماً بالشريعة أكثر من غيره (47) , كل ذلك ظهر فيه أثر الضبط الإسلامي للجدل وتوجيهه ليكون للوصول إلى الحقائق والدلالة عليها تحت إطار التوجيه الرباني a بالتي هي أحسن ? مما يجعلنا نصل إلى نتيجة هامة هي: أن نظرة تحليلية لتاريخ الجدل تدلنا أن الإنسان كلما كان أقرب إلى الوحي الإلهي الثابت في كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم وأعلم به فإنه أكثر انضباطاً وأحسن اختلافاً وأعدل مع غيره ممن لا يوافقونه في المعتقد أو الرأي , وأن البعد عن التوجيه الرباني في ذلك يجعل حظوظ النفس وأهواءها حاضرة ظاهرة في كثير من الحوارات والاختلافات , والله المستعان .

الفصل الثاني: مشروعية المجادلة في مجال الدعوة وأهميتها:

المبحث الأول: مشروعية الجدل في القرآن الكريم:

باستقراء النصوص الواردة في القرآن الكريم عن الجدل نجد أنه يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف:

أ - النصوص التي وردت فيها لفظة الجدل .

ب-النصوص التي وردت فيها مجادلات ومناظرات الرسل وصالحي البشر .

ج - النصوص التي تعلي من شأن الاحتجاج الصحيح والدعوة به وقيمته في نصرة الحق.

وسيكون تفصيل ذلك فيما يلي بعون الله وتوفيقه:

أ - النصوص التي وردت فيها لفظة الجدل:

جاءت لفظة الجدل وما تصرف منها في كتاب الله الكريم في 29 موضعاً , وباستقرائها بالنظر إلى المشروعية نجد أنه يمكن تصنيفها في ثلاثة أطر:

الإطار الأول: النصوص الواردة في المدح والندب لاستخدام الجدل:

وهذه النصوص محصورة فيما جاء في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125) سورة النحل

وفي قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (46) سورة العنكبوت

الإطار الثاني: النصوص التي ورد فيها ذم الجدل وهي كثيرة ويمكن إجمالها بما يلي:

1 -ما ورد في ذم الجدل بغير علم كقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} (3) سورة الحج

2 -ما ورد في ذم المجادل في الحق بعدما تبين كقوله تعالى: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} (6) سورة الأنفال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت