وهذا موجه إلى القادر عليها أما العاجز فقد قال الشيخ رحمه الله:"وقد ينهون - أي السلف - عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة" (84) .
وقد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم فيما بينهم وتناظروا وتجادلوا لكن كان على وجه المشاورة والمناصحة (85) .
المبحث الثالث: أهمية المجادلة في مجال الدعوة:
لا شك أن أول ما ينظر إليه في أهمية المجادلة في مجال الدعوة هو كونها مشروعة بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وفق ضوابطها التي تميزها عن مطلق الجدل .
وهناك جوانب أخرى تؤكد هذه الأهمية وتوضحها , وسنعرض لها في ثلاثة محاور:
الأول: الأهمية باعتبار الحاجة إليها مع بعض المدعوين.
الثاني: الأهمية باعتبار أثرها في إظهار الحق وقطع الباطل.
الثالث: الأهمية بالنظر إلى نتائج نماذج منها في تاريخ الدعوة .
أولا: الأهمية باعتبار الحاجة إليها مع بعض المدعوين:
خلق الله الخلق وفطرهم على الحنيفية , كما أرسل سبحانه رسله وأنزل كتبه ليدلوا الخلق على مراد الله تعالى منهم , وعندما تكون الفطر سليمة فإنها أقرب ما تكون لقبول الحق الذي تدعى إليه , وعندما تكون قد تأثرت أو حصل لها نوع تشويش فإننا تتردد فيه , ولربما عاندته وردته , ولذلك فإن من ملامح صحة هذا الدين ودلائل ربانيته وكماله وصلاحه أن تعامل بواقعية مع هذه المسألة , بأن ندب إلى الجدل مع هؤلاء بضوابط وشروط معينة .
وقد تحدث العلماء عن موقف الناس من الحق بأنهم ثلاثة أصناف: قابل وغافل ومعاند وذلك في معرض تفسيرهم لقول الله تعالى: 86).
وأفضل من فصل في هذه المسألة - فيما اطلعت عليه - شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , يقول في ذلك:
"الناس ثلاثة أقسام:"
إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة.
وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به فهذا يوعظ حتى يعمل .
وإما أن لا يعترف به فهذا يجادل بالتي هي أحسن لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب , فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل" (87) ."
ويقول رحمه الله:
"فالآيات لمن إذا عرف الحق عمل به فهذا تنفعه الحكمة ."
و الإنذار لمن يعرف الحق، و له هوى يصده فينذر بالعذاب الذي يدعوه إلى مخالفة هواه وهو خوف العذاب و هذا هو الذي يحتاج إلى الموعظة الحسنة .
و آخر لا يقبل الحق فيحتاج إلى الجدل فيجادل بالتي هي أحسن" (88) ."
ويقول في موضع آخر:
"الإنسان له ثلاثة أحوال:"
إما أن يعرف الحق ويعمل به .
وإما أن يعرفه ولا يعمل به .
وإما أن يجحده .
فأفضلها أن يعرف الحق ويعمل به .
والثاني أن يعرفه لكن نفسه تخالفه فلا توافقه على العمل به .
والثالث من لا يعرفه بل يعارضه .
فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة فإن الحكمة هي العلم بالحق والعمل به ، فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيدعون بالحكمة .
والثاني من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعظة الحسنة .
فهاتان هما الطريقان الحكمة والموعظة وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا فإن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وإن عرفته , فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة وإلى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا .
وأما الجدل فلا يدعى به بل هو من باب دفع الصائل فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن ولهذا قال ( وجادلهم ) فجعله فعلا مأموراً به مع قوله ادعهم فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن .
وقال في الجدال: ( بالتي هي أحسن ) ولم يقل: بالحسنة، كما قال في الموعظة،لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة , والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل .
فما دام الرجل قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أو لهما جميعاً لم يحتج إلى مجادلة فإذا مانع جودل بالتي هي أحسن" (89) ."
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"قال تعالى: (90) فذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو:"
فإنه إما أن يكون طالباً للحق راغباً فيه محباً له مؤثراً له على غيره إذا عرفه فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال .
وإما أن يكون معرضاً مشتغلا بضد الحق ولكن لو عرفه عرفه وآثره واتبعه فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب .
وإما أن يكون معانداً معارضاً فهذا يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع إلى الحق وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن" (91) ."
وكلامهما رحمهما الله متفق في أن المدعوين تتنوع أساليب دعوتهم , وكلها يحتاج إليها بحسب موقفهم من الحق الذي يدعون إليه .
ثانياً: الأهمية باعتبار أثرها في إظهار الحق وقطع الباطل:
لا شك أن الحق الذي جاء به صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى من يسنده ويظهره في مواجهة المبطلين والمخالفين , والقيام بذلك من لوازم الإيمان ومقتضياته .
وإذا تأملنا في بعض الأدلة التي سبق إيرادها في المشروعية يتبين ذلك بجلاء .