ولو قلنا إن السياق الوارد فيه هذه اللفظة ( تجادلك ) يقتضي المدح لكان سائغاً مراجعة أحكام الله ورسوله والأمر خلاف ذلك تماما فإن الله تعالى يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (36) سورة الأحزاب
وبذلك يتبين أن مشروعية الجدل في القرآن الكريم بالنظر إلى الآيات الوارد فيها لفظة الجدل تنحصر في الآيتين التي ورد فيهما قيده بالتي هي أحسن دون ما عداهما .
ب- النصوص التي وردت فيها مناظرات الرسل لأقوامهم ومجادلة المشركين لأنبيائهم:
ومن ذلك ما ذكر في القرآن الكريم عن مناظرات أولي العزم من الرسل مثل مناظرات نوح عليه الصلاة والسلام لقومه , ومناظرات إبراهيم عليه الصلاة السلام للنمرود وعبدة الكواكب , ومناظرات موسى عليه الصلاة والسلام لفرعون وللسحرة ومناظرات عيسى عليه الصلاة والسلام لقومه ومناظرات صلى الله عليه وسلم لمشركي العرب ولليهود والنصارى .
وغيرها من المناظرات لبقية الرسل وصالحي البشر الذين ورد ذكر محاوراتهم ومناظراتهم في القرآن الكريم .
وحيث إننا أمرنا باتخاذهم أسوة وقدوة كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} (90) سورة الأنعام
فإن من التأسي بهم القيام بالمناظرة والمجادلة الشرعية عند الحاجة إليها في مقام الدعوة إلى دين الله عز وجل .
ج - النصوص التي تشير إلى فضل الاحتجاج الصحيح والدعوة به وقيمته في نصرة الحق , ومعلوم أن ذلك هو ما تقوم عليه المناظرات والمجادلات الشرعية . ومن ذلك:
قوله تعالى:
وقوله تعالى:
وقوله تعالى:
وغيرها من الآيات التي استدل بها عدد من العلماء في القديم والحديث في هذا السياق (75) .
المبحث الثاني: مشروعية الجدل في السنة النبوية:
يمكن النظر إلى مشروعية الجدل في السنة النبوية من خلال جوانب السنة الثلاثة: قوله وفعله وتقريره عليه الصلاة والسلام .
أما في قوله عليه الصلاة والسلام فلم أقف على أحاديث تأمر بالجدل ولكن هناك أحاديث عامة تأمر بمجاهدة المشركين والمبطلين بأنواع المجاهدة ومنها المجاهدة باللسان , ومعلوم أن الجدل الشرعي والمناظرة في مقام الدعوة ومع المبطلين خاصة من أظهر أنواع المجاهدة باللسان مع شمول ذلك لأنواع الكلام من النصيحة والتعليم والوعظ وغير ذلك .
ومن هذه الأحاديث:
* حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره , ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (76) .
* ومنه حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (77)
* ومنه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (78) .
أما فعله فقد ثبت أن صلى الله عليه وسلم ناظر أصنافاً من الناس ؛ من المشركين من قريش والعرب وناظر اليهود في المدينة وناظر وفد نصارى نجران وغيرهم .
وقد أشرنا إلى شيء من ذلك آنفاً في المبحث الثالث من الفصل الأول .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في فقه قصة وفد نصارى نجران:"ومنها جواز مجادلة آهل الكتاب ومناظرتهم بل استحباب ذلك بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم وإقامة الحجة عليهم ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة فليول ذلك إلى أهله وليخل بين المطي وحاديها والقوس وباريها" (79) .
أما تقريره عليه الصلاة والسلام فقد ورد أنه أقر عمر رضي الله عنه في مناظرته لليهود وعندما رجع عمر ليخبر صلى الله عليه وسلم وجد أن جبريل قد سبقه بالوحي"فدعاه صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه: قال عمر: والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك" (81) .
قال ابن عبد البر رحمه الله تعليقاً على هذه الحادثة:"فهذا مما صدق الله فيه قول عمر واحتجاجه" (82) يقصد رد عمر رضي الله عنه على اليهود تركهم الإيمان بالرسو صلى الله عليه وسلم لكون صاحبه الذي يأتيه بالوحي جبريل وليس ميكائيل , وكلاهما مقرب من الله عز وجل , فمن كان عدواً لأحدهما فهو عدو للآخر ومن كان عدواً لهما فهو عدو لله .
وقد أكد أئمة الإسلام هذه المشروعية يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ولا وفى بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس" (83) .