ثم أصدرت اليونسكو بياناً بمعنى التسامح وأنه:"احترام الآخرين وحرياتهم , والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد , والقبول بها ..."
والتسامح هو تقدير التنوع الثقافي , وهو الانفتاح على الأفكار والفلسفات الأخرى بدافع الاطلاع , وعدم رفض ما هو غير معروف" (28) ."
ثم قامت كتابات عربية أخرى تؤكد على هذا المعنى من التسامح , وتقصد به حرية الردة عن الإسلام , وحرية السلوك والأخلاق .
فهذا محمد الطالبي يقول بأنه: لا يرى سنداً في الإسلام لما يعرف بحكم الردة (29) .
وهذا عبد الفتاح عمر يتسائل: هل الظاهرة الدينية ستقوم على ترسيخ قيم الاحترام والتسامح , أم أنها ستنبني على التطرف والعنف والتكفير والتدخل فيما للغير من معتقدات وماله من سلوكيات ؟
هل الظاهرة الدينية ستساعد على ترسيخ الحرية الدينية , أم هل أنها ستعصف بها في آخر الأمر (30) .
المسألة الثالثة: أمثلة على حوار التعايش في الواقع المعاصر .
-1- الحوار بين الشمال والجنوب .
والمقصود به الحوار بين البلدان المتطورة الغربية , ويرمز لها بالشمال , وبين بلدان العالم الثالث ويرمز لها بالجنوب , وذلك عندما فرض الشمال على الجنوب تعديل أسعار النفط , دون أن يدخل على النظام الاقتصادي أي تعديلات , وبعد مناورات دامت العامين , قبل الشمال إجراء الحوار مع الجنوب في هذا الموضوع , واضطر أن يضع نظاماً جديداً بعد ذلك (31) .
-2- الحوار العربي الأوروبي .
كما تقدم , عندما شعرت أوروبا وأمريكا بانتصار المسلمين في حرب العاشر من رمضان 1973 , وممارسة العرب بعض الضغوط النفطية على أمريكا وهولندا , لجأت لإجراء الحوار امتصاصاً لغضب العرب , ومحافظة على مكاسبهم (32) .
المطلب الثاني: حوار الدعوة والبلاغ .
المسألة الأولى: المراد به في الدين الإسلامي:
الحوار مع أصحاب الديانات الأخرى من أجل دعوتهم للدين الإسلامي الخاتم والناسخ لجميع الأديان السابقة , وإيضاح محاسن الإسلام لهم , وبيان ما هم عليه من باطل , واستنقاذهم من ظلمات الشرك والجهل , هذا الهدف من أعظم ما يدعو إليه الإسلام , وبالتالي فهذا النوع من الحوار , مطلوب شرعاً وعقلاً (33) .
قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64) .
المسألة الثانية: المراد به في العالم الغربي:
يراد بهذا النوع من الحوار عند الكنيسة الكاثوليكية , وعند مجلس الكنائس العالمي , وعند المستشرقين من النصارى عدة أمور:
الأمر الأول: اتخاذه وسيلة للتنصير , وهذه كانت غايتهم الأولى , من إعلان الحوار مع المسلمين .
الأمر الثاني: اتخاذه وسيلة لتشكيك المسلمين في دينهم , وفي نبيهم , r.
الأمر الثالث: اتخاذه وسيلة لأخذ الشهادة والإقرار بصحة دينهم , وجواز التعبد به لله تبارك وتعالى (34) .
ولهذا فقد وضع النصارى مقياساً يقاس به نجاح هذا النوع من الحوار مكوَّن من عشرة أمور كالتالي (35) :
(-7) - لا إدراك بالنصرانية .
(-6) - إدراك بوجود النصرانية .
(-5) - بعض المعرفة بالكتاب المقدس .
(-4) - فهم مبادئ الكتاب المقدس الأساسية .
(-3) - إدراك التضمينات الشخصية .
(-2) - إدراك الحاجة الشخصية .
(-1) - التحدي والقرار بقبول المسيح .
(+1) - التحول .
(+2) - تقييم القرار .
(+3) - الاندماج في الزمالة النصرانية .
المسألة الثالثة: أبرز المؤسسات الداعية له في العالم الغربي:
1-الكنيسة الكاثوليكية:
وهي الكنيسة التي اعتقدت قرارات مجمع نيقية المنعقد عام (325م) , ومقر قيادتها الفاتيكان , وهو مقام البابوات في روما , وقد أعلن مجمع الفاتيكان الثاني عام 1962م الدعوة إلى الحوار بين الأديان , وأصدر النشرات والكتب الموضحة لذلك , ووضع خطة لإعداد وتدريب المحاورين النصارى , ومن تلك الكتب:
أ - نحو حوار مع الإسلام .
ب - توجيهات في سبيل الحوار بين المسيحيين والمسلمين .
وقد أولى البابا يوحنا بولس الثاني , والذي تزعم رئاسة هرم هذه الكنيسة من عام 1978, الحوار بين الأديان عناية فائقة , واعتبره في إطار المهمة الأساسية للكنيسة , وهي التبشير (36) .
2-مجلس الكنائس العالمي:
يمثل هذا المجلس بقية الطوائف النصرانية غير الكاثوليكية من بروتستانت , و أرثوذكس , وقد ولد هذا المجلس نتيجة لقاءات عالمية لتلك الكنائس من أجل توحيدها , ويعتبر لهذا المجلس قوة ونفوذ تضاهي قوة الفاتيكان على الكنيسة الكاثوليكية .
وقد قام أيضاً هذا المجلس بإقامة دورات تدريبية للمنصرين للقيام بمهمة لحوار , ولكنَّه لما لم ير جدوى من ذلك مال بالحوار إلى دعوى التقارب والزمالة بين الأديان , وأدرجه ضمن إطار العلاقات الدولية للمجلس (37) .
المطلب الثالث: حوار التقريب بين الأديان
المسألة الأولى: المراد به عند العصرانيين: