فهرس الكتاب
وأخيراً , تأتي محاولة روجيه جارودي للتحاور بين الأديان على أساس إقامة وحدة فيدرالية للطوائف الدينية , ورأى أن الرابط بين الأديان هو الإيمان بمعناه الأرحب والأوسع , والذي يمكن أن يوجد حتى عند الملحدين , فهم لديهم إيمان بالإنسان , ورأى أن أفضل دين فيه سعة ورحابة يمكن أن يتقبل فكرته هذه هو الإسلام , ولكن ليس بمدلوله الخاص , وإنما بمدلوله العام والذي يعني الاستسلام لله .
يقول جارودي:"إن الفكرة الأولى لعلاقات المسلمين مع بقية الطوائف الدينية في فكر ورأي صلى الله عليه وسلم كانت إقامة ما نسميه اليوم (وحدة فيدرالية) للطوائف الدينية , لكن حصل أن هذا الأمر لم يتحقق أبداً في التاريخ , لا في المسيحية ولا في اليهودية أو في الإسلام, لكن أعتقد أن هذه المعادلة قابلة للعيش والاستمرار , أي: أن تصل بنا إلى روابط الجماعة , وروابط الأرض , وروابط السوق المشترك , وحتى روابط الماضي والثقافة , وإقامة كل شيء على أساس المستقبل , أي: على الإيمان المشترك بمعناه الأرحب والأوسع , وحتى الملحدين ممكن أن يكون لديهم إيمان بالإنسان , وبإمكانهم إقامة طائفة دينية بالمعنى الذي قلناه فيما سبق لتعميق هذا الاحترام الأساسي للإنسان ."
هكذا أعتقد ما هو ممكن , لكنني أعترف أن هذا أحد الأسباب التي جذبتني للإسلام , ذلك أن الإسلام هو أكثر الديانات جمعاً وتوحيداً للإنسان , وهو بمثابة عصارة و زبدة الأديان" (50) ."
وقد شرح جارودي في مناسبات عدة دينه الذي هو عليه الآن , ومشروعه الذي وقف حياته عليه .
فأما دينه فهو الإسلام الإبراهيمي كما يسميه , وأما مشروعه فهو الدعوة إلى الوحدة الصغرى في الإبراهيمية , أو الكبرى مع جميع الأديان حتى مع الملاحدة المؤمنين بالإنسان .
يقول جارودي عندما سئل عن دينه:"على دين إبراهيم , ولمَّا لم يكن إبراهيم يهودياً ولا مسيحياً , ولا بوذياً ولا مسلماً بالمعنى التاريخي للكلمة , فأنا كذلك: مسلم بالمعنى العام وليس الخاص لهذه الكلمة , وكوني أصبحت مسلماً , فهذا لا يعني أني تخليت عن اعتقاداتي الدينية والفلسفية السابقة , والإسلام بهذا المعنى يجمع بين أتباع كل الرسل منذ عهد إبراهيم , أي الذين نادوا لدين التوحيد , لذلك فأنا عندما أنشأت متحف قرطبة للحضارة الإسلامية قبل ست سنوات في أسبانيا , قمت في هذه المناسبة بعقد مؤتمر ( ديني إبراهيمي ) , أسندت رئاسته بالتساوي إلى ثلاث شخصيات إسلامية ومسيحية ويهودية ..." (51) .
ولذلك فقد أفتى الشيخ ابن باز - رحمه الله - بأن جارودي ليس مرتداً , لأنه لم يدخل الإسلام أصلاً (52) .
وقد وجد جارودي دعماً كبيراً لفكرته من بعض المؤسسات والمنظمات الحكومية , والتي كان من نتاجها العملي ما يلي:
1-المعهد الدولي للحوار بين الحضارات في جنيف .
2-الملتقى الإبراهيمي في قرطبة .
3-المركز الثقافي في القلعة الحرة في قرطبة (53) .
المطلب الخامس: حوار الاتحاد بين الأديان .
المسألة الأولى: المراد به (54) :
هو الحوار الذي يتم فيه التقاط أو انتقاء عناصر من كل دين , ثم دمجها سوياً , وتتخذ ديناً, وتترك تلك الأديان .
وهو على نوعين:
الأول: حوار التقاطي: يتم فيه الدمج دون تنسيق منهجي بين العناصر الملتقطة .
وهذا مثاله الديانة المونية .
والثاني: حوار تلفيقي: وهذا يتم فيه الدمج بتنسيق منهج بين العناصر الملتقطة .
وهذا مثاله ديانة كريسلام , والديانة البهائية .
المسألة الثانية: أبرز دعاته في العالم الإسلامي (55) :
تعتبر فرقة البهائية هي أبرز من يدعو إلى توحيد الأديان , وتسمي الدين الملفق بالديانة العالمية , والذي تبشر به البهائية وتدعو إليه , وتعتقد أنه الدين الناسخ لجميع الأديان السابقة , والذي يمكن أن يوحد العالم , ويعطي له السعادة والراحة والاطمئنان .
فمما ينادي به البهاء:"أن يتحد العالم على دين واحد , ويصبح جميع الناس إخواناً , وتتوثق عرى المحبة والاتحاد بينهم , وتزول الاختلافات الدينية".
المسألة الثالثة: أبرز دعاته في العالم الغربي .
أولاً: أصحاب الديانة المونية:
وهؤلاء أتباع"صن مون"الكوري الشمالي الثري , والذي لفق لهم ديناً من النصرانية واليهودية والإسلام والبوذية , وكذلك من النظريات العلمية , وادعى النبوة , وأنه جاء بدين يوحِّد العالم , ويكسبه السعادة والسرور (56) .
ثانياً: أصحاب ديانة كريسلام:
هذا الاسم الجزء الأول منه يدل على النصرانية , والثاني: الإسلام , فهي مزيج منهما , قام بذلك الأب الأسباني"إيميلو غاليندور آغيلار", ودعا الناس إلى التوحد على هذا المبادئ الملفقة من هاتين الديانتين,وتطالب بالتخلص من وصاية المؤسسات الدينية التي أثبتت-بدلاً من أن تكون عوامل مساعدة-أنها عقبات في طريق التوحيد (57) .
(1) - سورة الانشقاق: 14
(2) - انظر: مقاييس اللغة لابن فارس ( 2 / 117 ) .
(3) - انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي ( 2/ 23 - 24 ) .
(4) -- انظر: مختار الصحاح , للرازي ( 161 ) .
(5) -انظر:لسان العرب,لابن منظور ( 3 / 383 -385 ) , والمصباح المنير للفيومي ( 156 ) .