فهرس الكتاب

الصفحة 23982 من 27364

المسلمون في أوروبا تحرّكوا بشكل إيجابي وحضاري لمواجهة الأزمة عبر المظاهرات والبيانات والندوات والمحاضرات وشرح موقف الإسلام من هذه الأزمة، وهو ما أجبر الأوروبيين على التوقف عند أسباب غضبة المسلمين والاستفسار عن هذا الأمر، وقد نجحنا عبر الردود على هذه التساؤلات في جذب تأييد وتعاطف آلاف الأوروبيين لموقفنا، وقد تعامل المسلمون مع هذه الأزمة بشكل هادئ، ويختلف كثيراً مع التعامل مع الأزمة في بعض بقاع العالم الإسلامي؛ حيث أُحرقت السفارات وديست أعلام تحت الأقدام، وهو ما قوبل بغضب من الأوربيين بهذا الشكل واستنفارهم ضد الإساءة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأسهمت هذه المذكرة في تعديل شكل التفكير الأوروبي، وعدم غضبتهم على المظاهرات إلى جانب العديد من دول العالم الإسلامي .. وأعتقد أن هذا الخطاب الديني المعتدل قد استطاع أن يوصل رسالة ساعدت في تغيير ملموس في اتجاهات الرأي في أوروبا تجاه الأزمة لدرجة أن عديداً من استطلاعات الرأي في أوروبا أكّدت أن 56 % من الذين جرى استطلاعهم يتفهمون موقف المسلمين وحقهم في التظاهر، وهو تدليل على أن هذا الدين لا يحتاج إلى تعريف بل يحتاج إلى جهود وتوضيح صورته ومقدساته التي يجب أن يحترمها الأوروبيون وغيرهم.

التهجم على المقدسات

في ظل اشتعال أزمة الرسوم المسيئة تقدم خافيير سولانا بمقترح لتقديم مشروع قرار في المنظمة الدولية يمنع ازدراء الأديان أو التهجم على رموزها ..

ما من شك أن هذا المقترح ممتاز، ويجب على منظمة المؤتمر الإسلامي أن تتلقفه، وتضعه على أولويات أجندتها هي وكافة المنظمات الإسلامية مثل: رابطة العالم الإسلامي، والمجلس الإسلامي العالمي للدعوة، والإغاثة واتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وتبذل جهوداً في المنظمات الدولية لفرض ووضع ضوابط تؤدي إلى احترام كافة العقائد الدينية التي يحترمها الإسلام، ويُحرّم المساس بها والانتقاص من قدرها، كما أن مثل هذا القانون سيؤثر بشكل إيجابي ويخفض من حدة الاحتقان التي يعاني منها حالياً معتنقو الأديان السماوية الثلاث.

تحدثتم عن الاحتقان بين معتنقي الأديان السماوية .. برأيك لماذا أخفق حوار الأديان الذي يجري من أعوام في تخفيف هذا الاحتقان؟

مشكلة جولات الحوار التي تمت بين المنتسبين للأديان السماوية الثلاث أن القائمين على هذا الأمر ليسوا أصحاب قرار، وهو ما يجب أن نضعه نصب أعيينا؛ فمثلاً في أوروبا أو فرنسا هناك عشرات من الجمعيات مهتمة بالحوار بين أصحاب الديانات السماوية الثلاث، وهذا الحوار على الرغم من أهميته الشديدة في بناء جسور بين معتنقي هذه الديانات وآثاره الاجتماعية التي لا يستطيع أحد إنكارها، إلاّ أنه لم يكن ذا أثر واضح على المستوى السياسي؛ فالكنيسة الكاثوليكية مثلاً ليس لها تأثير كبير على صانع القرار، وهو ما عرقل تحقيق هذا الحوار للنجاح المرتجى منه، وإن كان هذا لا ينفي التأثيرات الاجتماعية الممتازة التي حققها، وهو ما يجعلنا نطالب بإعطاء هذا الحوار فرصة، ووقت أطول حتى يؤتي ثماره.

إسلاموفوبيا

بين الحين والآخر تتعالى صيحات ضد المسلمين في أوروبا متواكبة مع زيادة نفوذ الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تعادي هذه الجالية..

لا ينبغي أن نعمم الأمر فقد حصل في بعض البلدان الأوروبية فقط، وليس كل البلاد، في معظم دول الاتحاد الأوروبي هناك أحزاب يمينية، ولكن ليس لها تأثير كبير، ومجمل الأمر أن لنمو هذه الأحزاب عدة أسباب، منها الأزمة الاقتصادية؛ فكلما زادت حدة هذه الأزمة انعكست على أوضاع المهاجرين الذين حصلوا على حقوق اقتصادية واجتماعية قد يعدها البعض خصماً من رصيد مواطني هذه الدول، ناهيك عن أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتوابعها والحرب على الإرهاب وما حدث في مدريد ولندن من تفجيرات، هذا ساهم في زيادة نفوذ هذه الأحزاب والتفاف البعض حولها، مستغلين ما يُطلق عليه الإسلاموفوبيا التي حاولوا تكريسها، ونحن من جانبنا كمنظمات إسلامية نحاول مواجهة هذا التطرف اليميني عبر التأكيد على حاجة المسلمين في أوروبا أن يكون خطابهم خطاباً متوازناً ووسطياً لطمأنة المجتمعات الأوروبية بأن التجمعات الإسلامية تعمل لخدمة البلدان التي يعيشون فيها، مع رغبتهم في التمسك بعقيدتهم الإسلامية؛ فهؤلاء لا يريدون أن يكون اندماجهم في المجتمع على حساب تمسكهم بدينهم، ونأمل في القريب أن يؤثر هذا الخطاب العاقل على أوضاع الجالية المسلمة في المجتمعات الأوروبية.

اندماج إيجابي

لكن هذا الاندماج الذي تتحدث عنه تعرض لانتكاسة في المرحلة الماضية بعد أحداث الضواحي الباريسية، وما تلاها من تهديد بطرد المهاجرين، وإعادتهم إلى أوطنهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت