حين نتكلم عن الاندماج فنحن نتحدث عن الإيجابي منه، وليس السلبي فنحن مع الاندماج مع المحافظة على عقيدتنا وديننا، ولا تعني المحافظة الانغلاق، ولا التعاطي مع المجتمع بشكل قد يؤدي إلى الذوبان، وهي معادلة صعبة؛ فالحفاظ على الهوية الإسلامية يجب أن يشكل رأس الحربة لاندماجنا وتحويلنا إلى مواطنين مشاركين ومساهمين في بناء المجتمعات التي نعيش فيها، ولكن هذا الاندماج يُواجه بمشاكل عديدة أبرزها: أن الجيل الأول من المهاجرين كان محدود الثقافة، وليست لديه القدرة على التأثير في المجتمع أو الوصول إلى مناصب قيادية، وسيطرت عليهم فكرة الانطواء، مما سمح للمنظمات اليمينية والعنصرية باستغلال ذلك، والإساءة لهم، مستغلة وجود حالة رفض لاستقبال هذه الشرائح الجديدة، أما الآن فهذه المجتمعات تتجه إلى تغيير وجهة نظرها، خصوصاً أن الأجيال التالية من المهاجرين متعلمة ومثقفة، وتستطيع بشكل إيجابي الاندماج في هذه المجتمعات في ظل انتشارهم في جميع مؤسسات الدول التي يعيشون فيها، مما يجعل المسألة قضية وقت فقط، أما عن أحداث الضواحي فقد لعبت المشكلات الاجتماعية دوراً مؤثراً فيها، وهذه الأحداث لا تخص فرنسا وحدها بل يمكن أن يتكرر في عديد من الدول الأوروبية احتجاجاً من هذه الطوائف المهمشة على الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيش فيها من بطالة وفقر وطبقية وإقصاء، وقد تنبهت الدولة إلى هذه الأحداث، وتحاول حالياً علاج هذه المشاكل وتخفيف الاحتقان الاجتماعي، وكان قانون العمل الجديد نوعاً من الحل لهذه المشاكل، غير أن المزايدات من الأحزاب أدّت إلى سحبه، ومن ثم فأعتقد أن هذه الأزمة لن يكون لها أي تأثير سلبي على وضع الجالية المسلمة في فرنسا، وإن لم يكن العكس.
صعوبات
تحدّث الكثيرون عن معاناة المرأة المسلمة في أوروبا، ومحاولات بعض الجماعات في أوروبا تذويب هويتها، مستغلة حالة الفراغ الشديدة التي تعاني منها ..
قضية المرأة المسلمة في أوروبا قضية حساسة للغاية، نتيجة اعتقاد الغرب الخاطئ بأن المرأة المسلمة تعاني تهميشاً شديداً وظلماً في المجتمعات الإسلامية، وتركز وسائل الإعلام على إحداث مفارقة بين المرأة في أوروبا التي حظيت بأكبر قدر من الحريات والرفاهية، وبين نظيرتها المسلمة التي تعاني من هيمنة المجتمع الذكوري ـ على حد زعمهم- لدرجة أن هناك من يعتقدون أن ضغوط الرجال على النساء المسلمات هو من يفرض عليهن الالتزام، وليس نابعاً من المرأة نفسها، وما من شك أن هذا الموضوع سيظل يحدث حالات شد وجذب بين الملتزمين بالدين والدعاة إلى التحرر والليبرالية، وأنا هنا لا أنفي أن هناك محاولات لتذويب هوية المرأة وإعطائها بعداً تغريبياً، لكن نحن متيقظون لهذه المحاولات، ونعمل على صون عفة المرأة المسلمة وهويتها الدينية، وليس أدل على ذلك من أن قانون الحجاب الذي حدّ كثيراً من حرية المرأة المسلمة في المؤسسات التعليمية يؤثر كثيراً على هوية هذه المرأة؛ إذ انتشر الحجاب بشدة في مختلف العواصم الأوروبية، مما يعطي انطباعاً بأن هذه المحاولات على الرغم من شراستها لم تحقق نتائج إيجابية.
خصوصية إسلامية
انتشرت في العالم العربي في الفترة الأخيرة موضة تغيير قوانين الأسرة والأحوال الشخصية بضغط من الأمم المتحدة، وبدأنا نسمع عن مدونة الأسرة والسيدوا .. ما تقييمك لهذا الأمر؟
قضايا الأسرة والأحوال الشخصية قضايا حساسة جداً، وذلك لارتباطها بالدين والثقافة والأعراف، ومن المفروض أن نترك لكل أمة الحرية الكاملة في أن تعالج هذا الأمر، وفقاً لخصوصيتها، وليس من اللائق بأي شكل أن تمارس دول عربية هذه الضغوط على الدول الإسلامية لإعادة هيكلة نظمها الاجتماعية، وكما أنه من السخف أن تستجيب الدول الإسلامية لهذه الضغوط؛ فنحن دول ذات سيادة، بإمكاننا أن نتمسك بخصوصياتنا، ولا ننصاع لهذه الضغوط التي تفرض عولمة الأسرة، وتفرض نظم التفسخ الأخلاقي الذي يعاني منه الغرب علينا؛ فالكرة في ملعبنا، وعلينا التمسك بالنظام الأسري الإسلامي؛ لأن البحث عن بديل سيشكل كارثة ووبالاً علينا.