العالم الاسلامى لا يتدخل (ولا يقوى) فى الشئون الداخلية للعالم الغربى , بينما يتعرض هو للاعتداء والاحتلال و التدخل في أخص شئونه الداخلية.
والعقيدة الاسلامية توفر أعدل منهج للتعايش السلمى بين الحضارات , ولكننا لا يمكن أن نرفع شعار الحوار الحضارى مع الجيوش الغازية لأراضينا والمتواجدة في عدد كبير من الدول العربية و الاسلامية
أما المنهج الذى نعتبره الأكثر عدالة , فقد نص عليه القرآن الكريم في قواعد نعرضها للاحتكام اليها , وأين يمكن أن نجد معيارا أكثر عدالة من ذلك؟! واذا زعم أحد أن هناك ما هو أفضل من ذلك, فنحن على استعداد لمناقشته باعتبار أن الغرب في مجموعه لا يؤمن بطبيعة الحال بقداسة ما ورد بالقرآن الكريم, ولكننا نعرضه للمناقشة العقلية البحتة.
( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين , إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) الممتحنة 8-9.
من هاتين الآيتين نستخرج مجموعة من القواعد الأساسية التى تحكم علاقة المسلمين بغيرهم سواء أكانوا أهل كتاب أو مشركين أو غير مؤمنين بأى دين من الأديان:
1-أن المسلمين ملتزمون بحسن العلاقة مع غيرهم من بنى البشر , ذلك أن الأصل في الاسلام هو السلام والمحبة , ونشر البر والعدل بين الناس قاطبة على اختلاف أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم (2) .
2-أن عداوة المسلمين يجب أن تنصب حصرا على الذين يحاربونهم لتغيير دينهم , أو يعتدون على حرماتهم: النفس و الوطن.
3-أن المسلمين لا يحاربون ولا يعادون ولا يعلنون الجهاد مع الآخرين بسبب عقيدتهم ولكن دفاعا عن النفس والعقيدة وهى ضرورة للمحافظة على الذات فاذا انتفى هذا المبرر فلا مجال للحديث عن قطع كل صلات بالمخالفين في الرأى فضلا عن قتالهم, فالنهى عن الصداقة والمحبة والتحالف منصب على الذين ما يزالون مستمرين في حربهم و عدوانهم.
نحن اذن أمام قاعدة أساسية واحدة تجمعها هذه الأبعاد الثلاثة ..
ان العلة في المقاطعة والقتال و العداوة , هى الفعل الدفاعى ردا على العدوان وحماية النفس والوطن والعقيدة , وليس لنشر الدين بالقوة أو لابادة المخالفين في الرأى والعقيدة.
وهذا أمر بديهى لا يمكن أن يرفضه أحد بأى منطق وبأى معيار , فأنا باختصار أطالب من المخالف لى بالحد الأدنى الذى لا يمكن الهبوط عنه وهو ( ألا يقتلنى ) و ( ألا يخرجنى من وطنى ) هذا مطلب عادل لأنه غريزى , ولأنه مطلب لكل انسان على الأرض , وان التفريط في هذا الحد الأدنى معناه: العدم!!
ربما يرد أحد الغربيين فيقول هذا كلام حسن ولكننا لم نراه في التاريخ , وما فائدة الكلام الحسن الذى لا يمكن أن يطبق . ونقول:
أولا: ان التاريخ يثبت أن هذه المقولات لم تكن غائبة.
ثانيا: حتى وان اختلفنا في تقييم التاريخ فاننا نقترح على الغرب هذا الميثاق من جديد خاصة وانهم عندما يتحدثون عن خطر الاسلام كقوة غازية لا يجدون الا معارك بواتييه (741م) و فيينا (عام 1684م) . ونحن الذين نتعرض لحملات عسكرية متواصلة بل ومذابح في القرون الأخيرة خاصة خلال القرنين الأخيرين 19 و 20 .
نظرة على التاريخ:
فى اطار هذه الورقة المكثفة يصعب تقديم عرض أو تحليل شامل لتاريخ العلاقات بين الاسلام و الغرب.. وهنا نكتفى بعدة محطات ..
المحطة الأولى
* الدعوة الاسلامية في موطنها الأصلى لا يمكن أن تقارن معاركها التى فرضت عليها بأى معارك في التاريخ السابق أو اللاحق لها من حيث محدودية العنف , فالمعارك فرضت أولا على المسلمين بقتلهم وتعذيبهم واخراجهم من ديارهم على مدار 13 عاما , وعندما تأسست دولة المدينة خاضت دفاعا عن النفس والعقيدة خمسين مواجهة عسكرية كان عدد ضحاياها بأجمعها لم يتجاوز تسعمائة رجل في المعسكرين سقطوا في ساحة القتال خلال 10 سنوات (3) , قارن هذا العدد بالحرب الدينية الأوروبية التى عرفت بحرب الثلاثين سنة (1618-1648) والتى كانت حربا كاثوليكية بروتستانتية و أدت الى مقتل 30% من السكان في وسط أوروبا (4) .
* أما موقف الدين الاسلامى في بداية عهده من اليهود .. فقد كانت وثيقة المدينة التى أعطتهم حق المواطنة الكاملة مع المسلمين , ولكنهم هم الذين رفضوا هذه المواطنة و تعاونوا مع الأعداء ضد مدينتهم فكان الصدام.
* أما بالنسبة للامبراطورية الرومانية فهى التى بادرت بالعداء للدين الجديد من خلال قبائل الغساسنة الحليفة , حتى أن مبعوث الرسول الى هرقل قد تم قتله . وقد كانت هذه المواقف وراء غزوات مؤتة وتبوك وبعثة أسامة بن زيد.