فهرس الكتاب

الصفحة 24022 من 27364

ولو سلمنا جدلاً أن الكتب السابقة بقيت على حالها لم تحرف فإن الله نسخها بالقرآن الذي هو الحكم الفصل في كل الأزمنة إلى يوم القيامة كما قال تعالى:"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ" [المائدة:48] ، وقال تعالى عن كتابه:"لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" [فصلت:42] وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي - r- قال: (( لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، فإنه لو كان موسى حياً بين أظهركم، ما حل له إلا أن يتبعني ) )وفي رواية: (( والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني ) ) (16) .

ويقر جارودي بإيمان واحد شامل لجميع الأديان والمعتقدات، هذا الإيمان يستطيع من خلال ثقافات مختلفة (( إنجاب ديانات متعددة، وإن هذا التعدد هو غنى؛ لأنه يتيح لنا فرصة تعميق إيماننا وإدراك تميزه: يتيح لنا فرصة التخلص من وهمنا القائم على اعتبار ديانتنا الديانة الحقيقية الوحيدة لأننا نجهل الديانات الأخرى ) ) (17) .

ويقول أيضاً: (( ليس الأمر تسامحاً... بل إنه احترام التجارب المختلفة عن تجاربنا احترام الوجود الذي يتجاوزنا ) )ويلزم من احترام التجارب المختلفة عند جارودي (( عدم الطلب إلى المسيحي بأن يصبح بوذياً، أو إلى المسلم بأن يصبح مسيحياً بل مساعدة البوذي على أن يصبح بوذياً أفضل، والمسيحي مسيحياً أفضل، والمسلم مسلماً أفضل. الأفضل يعني: القادر على تعميق إيمانه وإدراكه لله ) ) (18) .

يقول جارودي: (( لقد حان الوقت للقول بوضوح: إن المرء يكون هندوسياً أو بوذياً، أو يهودياً، أو مسيحياً، أو مسلماً، ليس بما يعتقد، وإنما بما يفعل وانطلاقاً من هنا، أن نقدر ما تقدمه كل عقيدة دينية لتأنيس الإنسان ) )، ثم يستشهد على ذلك بقوله تعالى:"لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ" [المائدة: 48] (19) .

وبترُ جارودي للآية، واستدلالُه ببعضها كمن يستدل بقوله تعالى:"لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ" [النساء:43] ويسكت. فالله سبحانه وتعالى قال في الآية السابقة التي استدل بها جارودي:

"فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ" [المائدة:48] فأمر الله نبيه - r- بالحكم بين اليهود والنصارى إذا اختصموا إليه بالقرآن الكريم وحده، أو بما أوحاه الله إلى نبيه محمد - r-؛ إذ لا يجوز الحكم بغير ذلك ولو كان شريعة سابقة؛ لأن نزول القرآن مهيمناً أبطل ما خالفه، وإن كان الحكم فيما سبق من الشرائع موافقاً للحكم في القرآن ففي القرآن كفاية وهو ناسخ لما قبله.

ثم قال تعالى:"لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً" [المائدة:48] فهذا تعليل لنهي النبي - r- عن اتباع أهوائهم؛ أي إذا كانت أهواؤهم في متابعة شريعتهم التي حرفوها وبدلوها بأيديهم أو عوائدهم الجاهلية فدعهم وما اعتادوه وتمسكوا بشرعكم المهين على غيره الناسخ لما سبقه. وفي قوله تعالى:"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ" [المائدة: 48] بين تعالى أن الاختلاف بين البشر سنة كونية قدرية لا مناص من وقوعها؛ لابتلاء الناس بعد أن بين لهم الحق من الضلال؛ حتى يتميز الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر.

وفي 12-15/2/1987م انعقد مؤتمر سُمي بالمؤتمر الإبراهيمي في قرطبة وبمشاركة أعداد من اليهود والنصارى والقاديانيين والإسماعيلين، وقد انعقد المؤتمر تحت اسم:"مؤتمر الحوار الدولي للوحدة الإبراهيمية". وافتتح جارودي مركز قرطبة للأبحاث الإسلامية والذي يعمل على وحدة الأديان ومن آرائه أن الصلاة المفروضة ثلاث وليست خمساً (20) .

والذي ينبغي ذكره هنا أن ملة إبراهيم عليه السلام هي الإسلام، وليست ملته اليهودية والنصرانية:"مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ" [الحج:78] . وقد امتن الله على العرب بأن أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم- التي حرفها غيرهم وحاد عنها- فقال تعالى:"قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [آل عمران:95] .

وقد هدى الله نبيه محمدا -صلى الله علهي وسلم- وأمته إلى ملة إبراهيم التي ضل عنها غيرهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت