فهرس الكتاب

الصفحة 24023 من 27364

"قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" [الأنعام:161-163] . فهذا هو الإسلام، وهو بيان لملة إبراهيم، يؤيد ذلك قوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [النحل:120-123] . أي الزم ملة أبيك إبراهيم، وهي التوحيد الخالص، والإخلاص لله الذي هو معنى الإسلام."

ويلوي جارودي أعناق النصوص القرآنية في سبيل التوفيق بين الإسلام والنصرانية، فيقول: (( سنضع جانباً أيضاً الاتهامات الموجهة من المسلمين إلى المسيحيين حول سر التثليث؛ لأن محتوى سورة الإخلاص يتطابق تماماً مع قول مجمع(لاتران- lat r an) المنعقد عام 1215م حول التثليث:"الله أب وابن وروح قدس"وهذه هي حقيقة معنى"لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" [الإخلاص:3] القرآنية (21) .

ولو كان المسلمون يقرون بالتثليث كما زعم جارودي لما كانت هناك حاجة أصلاً للوحدة التي يدعو إليها جارودي، ولكن المسلمين يؤمنون برب واحد وإله واحد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولم يكن له شريك في الملك، بل لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون. وسورة الإخلاص- والقرآن كله- تنص على نفي ما يدعيه النصارى في أن المسيح هو ابن الله:"لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ"فكيف يفتري جارودي أن هذه السورة تدل على عقيدة الشرك: التثليث ؟ لقد استخف جارودي بعقول المسلمين جميعاً، وزور الحقائق الثابتة التي لا يختلف عليها اثنان من المسلمين؛ فهل بقي إسلام في قلب جارودي بعد إعلانه عن وثنية التثليث التي يؤمن بها، وعن ماركسيته التي رفض التخلي عنها؟

ومما يظهر تخبط جارودي وقد بلغ به العمر؛ محاولته التوفيق بين الإسلام والفلسفات الهندية- تعاليم اليوبانيشاد على وجه الخصوص- على أساس وحدة الوجود، فيؤكد في البدء أن الديانة الهندية ديانة توحيدية لأننا نجد فيها (( معنى الوحدة العميقة للإنسان وللطبيعة ولله من خلال تنوع أسماء الله ) ) (22) وهذا ما يجعلها مع الإسلام على قدم المساواة في ضوء إيمانها بوحدة الوجود.

يقول جارودي: (("السفيتارا يوبانيشاد"تعلم:"الله الواحد الكامن في كل الكائنات الداخل في كل شيء الوجود الداخلي لجميع المخلوقات... تماماً كما يقول بها القرآن الكريم بكل أبعادها في سورة الحديد:"هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [الحديد:3] (23) ."

وهذا ما يؤكد لدى جارودي أن (( كل الرسالات المقدسة تنبثق منا لله الواحد، وتحمل التعاليم نفسها. فمثلاً إن تأملاً عميقاً حول الأدفايتا الهندية وتوحيد المسلمين.. يغني أفكارنا المتبادلة حول الوحدة، ويظهر التشابه الواقعي وكذلك الاختلاف في العمل بين هندوسي حقيقي ومسلم حقيقي، الناتج عن أفكار كل منهما حول الأدفايتا والتوحيد ) ) (24) .

فالاختلاف بين المسلم والهندوسي هو في العمل، وبمعنى آخر الوسيلة، أما الأصول فهما يشتركان فيها. فالذي يؤمن بإله واحد قادر لا شريك له؛ هو ومن يعبد ما لا يحصى من الآلهة بمختلف الصور والأشكال: على قدم المساواة عند جارودي في الإيمان. فأي ميزة بعد ذلك للإسلام ناسخ الأديان كلها، الذي حارب عقيدة الشرك بمختلف صورها وألوانها، وأتى ليحر رالعباد من عبادة الأصنام والأوثان والأشجار والأشخاص إلى عبادة الله الواحد الأحد لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، تعالى الله عما يقول الجاحدون علوا كبيراً.

واستدلال جارودي بقوله تعالى:"هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [الحديد:3] على وحدة الوجود، استدلال فاسد؛ إذ إن الآية تثبت لله تعالى أنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو الباقي تعالى بعد زوال الأشياء كلها وفنائها، وتثبت له تعالى علوه فوق خلقه فوق سماواته، وهو مع علوه أقرب بعلمه وسمعه إلى الإنسان من نفسه.

قال إمام المفسرين الطبري رحمه الله في تفسير الآية: (( هو الأول قبل كل شيء

بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وإنما قيل كذلك؛ لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال تعالى:"كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" [القصص:88] . والظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه. وهو الباطن حميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال تعالى:"وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" [قّ:16] (25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت