فهرس الكتاب

الصفحة 24331 من 27364

ثمة حاجةٌ ملحةٌ على المستوى العالميِّ لتطويرِ صرحٍ للتضامنِ الإنسانيِّ، يكون مقبولاً عند الجميع. وفي اجتماع لنادي روما عُقِدَ مؤخَّرًا، اقترحتُ أن مصطلحَ أخلاقيات (Ethics) يجب أن يُفسَّرَ بمعناه الواسع، أي ألا يقتصرَ على الجانبِ الأخلاقيِّ، بل يتعدَّاه ليغطي القيم الاجتماعية الثقافية المشتركة التي لها صفةُ الكليةِ أو الشموليةِ، والتي صَمَدَت على مرِّ الزمان. فالهدف يجب أن يكون تعزيزَ كل ما من شأنه أن يربط بين البشر ويؤلف بين قلوبهم، سواء كان ذلك على أسسٍ حضاريةٍ وقواسمَ مشتركةٍ، أو حتى لمجرد أسباب فكرية.

تذكر أنماري شيميل (Annema r ie Schimmel) في كتابها (D r eams of Jesus in the Islamic T r adtion) "أحلام يسوع في التقاليد الإسلامية":"باعتباره آخرَ نبيٍ أرسلَه اللهُ قبل مجيء محمدٍ، فإن يسوع المسيح، ابن مريم، يشغل مكانة عاليةً جدًا في مجال التقوى عند المسلمين، فهو نموذج الفضيلة والتواضع والزهد، وهو عابرُ سبيلٍ وصوفي حقيقي لا يرى إلا الجوانب الإيجابية في كل شيء في الحياة. ذلك هو يسوع المسيح في التقاليد الإسلامية الرفيعة والشعبية".

وإذا كانَ بإمكانِ أبناءِ الطوائف الدِّينيَّة المختلفة تكريمُ الأنبياءِ أنفسِهم، واعتبارهم نماذجَ يجدرُ الاقتداء به؛ فربما لا نكون بعيدين كثيرًا عن الحوار الذين نصبو إليه جميعًا.

إن القمة العالمية للقادة الدينيين والروحيين، التي عُقِدَت في مقرِّ الأممِ المتحدةِ في نيويورك في آيار / مايو 2000م، حاولت أن تؤسِّسَ مجلسًا استشاريًّا دينيًّا دائمًا تابعًا للأممِ المتَّحدة. فمنذ الآن يجبُ تشكيلُ تحالفات بين الزعماء الروحيين والحكومات وممثلي المجتمع الأهلي؛ بهدف إنشاء شبكة عالمية للمبادرات، من شأنها أن تؤدِّيَ إلى سياساتٍ أفضل وأفعالٍ مسئولة، إذ لا يمكنُ للأخلاقياتِ العالميةِ الجديدة أن تتجاهل ما تمتلكه الإنسانيَّة من حسٍّ بالرُّوحانية.

وهناك قول أثير للاقتصادي المشهور الدكتور أمارتيا سن (D صلى الله عليه وسلم Ama r tya Sen) يؤكد فيه: إن القطب المقابل للعولمة هو الانفصالية المزمنة والحكم المطلق (Auta r ky) الذي لا يلين.

نحن نتكلم عن هذا العالم بدلالة المواقف والأفضليات السياسية، وليس بدلالة أخلاقيات التضامن الإنساني. فإذا كنا نتحدث عن الحاجة إلى إدارة عالمية ومسئولة فنحن بحاجة أيضا إلى الإقرار بضرورة تطوير أخلاقيات عالمية.

في كثير من اللغات تترجم العولمة إلى العالمية. ومع أن المرء يستطيع أن يدرك عالمية القيم، إلا أنه لا يستطيع أن يتفهم المقصود من عولمة الذين يملكون الأشياء والذين لا يملكونها. علينا إذا أن نتقدم نحو عالمية القيم، ونتحدث عن إدارة الصالح العام عالميا، ليس فقط بدلالة الحرب والسلام، وإنما أيضا بدلالة المشاركة الواسعة للمجتمع الأهلي في الحوار العالمي. وحين نتكلم عن الإدارة العالمية فإن العبارة التي كتبت على ضريح السفسطائي البيزنطي ليفانوس (Livanus) "لقد لامس قلبه حب الصالح العام"، ربما تكون - هذه العبارة - شعارا مناسبا لمثل هذه المبادرة. وهذا يستلزم، ليس فقط أن تشمل النخبة القادة بيننا، لكن أيضا الشباب والنساء والأقليات الذين لهم جميعا تجربتهم المباشرة ذات الصلة بآثار التغيير الاجتماعي.

إدراك القيم المشتركة مفتاح العالمية العادلة

في عام 1970 شاركت في مؤتمر قمة دول عدم الانحياز الذي حضره زعماء مثل: جمال عبد الناصر، وجوزيف تيتو، وأنديرا غاندي، وجلالة الملك حسين، كانت تلك الأسماء من النوع الذي يمكنك أن تربطه بمفاهيم عصرهم. أما اليوم فلدينا مفاهيم مثل العولمة والتجارة الإليكترونية، لكن يا ترى هل يوجد لدينا التزام سياسي لتحقيق رؤية تقوم على الاستقلال المتكافل (Int r a-independence) وليس فقط الاعتماد المتبادل (Inte r -dependence) ؟ فالاعتماد المتبادل يمكن أن يعني أنني أستطيع أن أتناول غداء يقدم على مائدتك، لكن بوجود الاستقلال المتكافل بإمكاننا أن نتطلع إلى الانتقاء من بين تشكيلة أوسع من المأكولات.

إن الفجوة في مستوى الازدهار بين بلدان العالم ومناطقه سبب دائم لنشوب النزاعات والحروب. فإذا أراد الناس العيش بسلام، فعليهم تضييق هذه الفجوة أو سدها نهائيا. إن الفقر هو إنكار لحقوق الإنسان، وإهانة لكرامتنا الإنسانية الأصيلة، وللتنمية البشرية الإنسانية، وللروح الإنسانية. والفقر شر في حد ذاته، يحرمنا من الصحة، ومن فرص التقدم كأسرة إنسانية، ومن حرياتنا الأساسية، ومن احترام بعضنا للآخر. كما أنه يدمر احترامنا لأنفسنا باستهدافه روح إنسانيتنا بالذات. ويجادل البعض أن العولمة يمكن أن تزيد الفقر وتفاقم أكثر الهوة بين الأغنياء والفقراء. وهذا بدوره يؤدي إلى تزايد معدلات الجريمة والأمراض الاجتماعية، ويفسح أيضا مجالا أوسع للاستغلال والهيمنة بفتح قنوات أكثر لتفاعل آلياتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت