فهرس الكتاب

الصفحة 24334 من 27364

إن العولمة ليست مجرد فكرة يمكن قبولها أو رفضها، بل هي حقيقة واقعة. والوقائع لا بد من إداراتها بأسلوب براغماتي مع توفر رؤية ضابطة. ففي المقام الأول، علينا أن نقوم بتوسيع مفهوم الإنسانية (Humanita r ianism) كما جرى تفصيله في تقرير اللجنة المستقلة الخاصة بالقضايا الإنسانية الدولية التي كان لي شرف المشاركة في رئاستها مع الأمير صدر الدين أغا خان. إن الفكر الإنساني يتوجه أساسا نحو مصالح الناس ورفاهيتهم، ويشمل الإنسانية وحقوق الإنسان سواء بسواء، متعديا حدود القانون الإنساني الحالي، ويرتكز على أخلاقية التضامن الإنساني. كما أن تعزيز تعددية الأطراف، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، هو أمر واجب أيضا. وفي هذا السياق، فقد نلت شرف إدخال القرار المتعلق بالنظام الإنساني الدولي الجديد، الذي تم اعتماده من دون تصويت، من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 كانون الأول / ديسمبر 1987م.

إضافة إلى ذلك، يقتضي الأمر وجود ثقافة للسلام تستخدم طرقا براغماتية وفاعلة للقضاء على التنازع وإعطاء الناس دليلا ملموسا على إمكانية تطبيق السلام. قد يتذكر المرء الدعوة إلى السلام التي صدرت عن محكمة لاهاي (Hague) عام 1999م، والتي كرست لنزع الشرعية من الحرب، والسعي للتركيز من جديد على رؤية عالمية تعد النزاعات العنيفة غير شرعية، وغير قانونية، وغير عادلة من حيث الأساس. ومع أن الاتفاقات والمعاهدات عدت لأمد طويل أدوات ضرورية لتنظيم سلوك الدول، فإن اهتماما دون ذلك بكثير قد أعطي إلى توجه أشمل يتولى الأفراد: أي مواطني هذه الدولة ذاتها. وأحد المكونات الحيوية لهذا التوجه يستدعي إعادة النظر في المعنى المتعارف عليه لمصطلح الأمن، فيجب أن لا يقتصر معنى الأمن على تعريفه العسكري؛ لأن الأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي هما أيضا من متطلبات الاستقرار. وجميع الناس لهم الحق في حياة كريمة خالية من الرعب واليأس.

وهكذا يجب تشجيع الدول على احترام حقوق الإنسان الأساسية وتطبيقها إذا أريد لمواطنيها تجنب الاضطهاد السياسي، والأيديولوجي أو أي شكل آخر من أشكال الاستغلال.

لكن بالقدر نفسه من الأهمية، يجب القيام بمبادرة عالمية تستخدم جميع الموارد التي يمكن تصورها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، لتحسين الأوضاع المحلية وتقديم سيناريوهات للمصالحة.

والمعرضون للخطر بصورة خاصة هم الشباب الذين يشكلون حاليا غالبية سكان العالم النامي. والإقرار بهذا الأمر هو ما يهيئ لنا نقطة انطلاق ممكنة؛ ألا وهي تعزيز ثقافة عالمية للسلام بين الشباب. وإذا أمكن لثقافة السلام أن تصبح طريقة للعيش تتغلغل في شتى مناحي حياتهم فستمثل استثمارا عالي المردود في مستقبلنا المشترك.

لا بد لنا من الحديث عن مفهوم جديد ـ دستور للسلوك ـ لا يقوم على العقلانية والطريقة العلمية فحسب، وإنما يجب أن يراعي أيضا أهمية القيم. لقد تكلم السيد كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة، عن ضرورة حقن الأخلاق ـ نظام للسلوكيات الأخلاقية الروحية ـ في الأمم المتحدة والهيئات العالمية. إن مثل هذا الدستور المقترح، وهو نتاج سنوات طويلة من الحوار بين أتباع الأديان التوحيدية الثلاثة، ما فتئ يتطور بعيدا عن الأنظار. فهو يوضح الحقوق والواجبات، ويحثنا على الابتداء بما هو مشترك، ويحتضن مبدأي عدم الإكراه والتدفق الحر للمعلومات. وهو يدعو كذلك إلى تطوير إطار للاختلاف في الرأي، وقبول المسئولية عن الأقوال والأفعال على جميع الصعد، كما أنه يؤكد الرابطة بين اللاهوت والمنحى العلمي.

إن التضامن الإنساني يتطلب التقاء شتى الثقافات في نطاق الحضارة الإنسانية؛ كي تتفاعل من دون أن تتصادم، ويُغني بعضها بعضا. فلا توجد ثقافة منغلقة على نفسها بطبيعتها، أو ميَّالة نحو العنف. غير أن الثقافات التي تشعر بأنها مهددة قد تلجأ إلى الدفاع عن نفسها حين تُوصَد الأبواب في وجهها؛ مواجهة بذلك الإقصاء برفض مضاد.

إن دستورا للسلوك من شأنه أن يعنى بالكرامة الإنسانية. ومع أن البعض قد يجادل بأن الكرامة الإنسانية مفهوم مجرد، فإنها حقيقة وواقع من حيث ضرورة الإقرار بالبعد الإنساني، الذي هو بعد فوق قطري، مقابل ما هو ثنائي القومية. ويجب أن يشمل هذا الدستور قوي التغيير: الأمم الجديدة، وحركات الشعوب، والنساء، والشباب. كما يتحتم أن يركز على المجموعات الأكثر هشاشة بيننا، فعليه أن يستمع إلى أولئك الذين شهدوا التعذيب، والاقتلاع من الجذور (التشريد والنزوح، وما شابه) ، والإهمال. كذلك يجب أن يستمر في تأكيد السلطة الأخلاقية، مهما بلغت أهمية القوة السياسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت