فهرس الكتاب

الصفحة 24335 من 27364

والعالم الْمُعَوْلَم يحتاج إلى أخلاقيات عالمية. فعلى حد قول المجلس العالمي للكنائس، والمئات المئات من الاجتماعات حول هذا الموضوع ـ موضوع تحسين الحوار وتعميقه بين أتباع الأديان:"نحن نشترك في الأمور الآتية: أهمية منح الفقراء نفوذا، وتطوير المجتمع الأهلي؛ وبعبارة أخرى: السياسة من أجل الناس أو السياسة البشرية، وإدارة الصالح العام عالميا، لكن بوجه إنساني مؤكد".

لماذا الدعوة لنموذج"جديد"للعلاقات العالمية؟

والأصوات المتعقلة التي تتعالى الآن تطالبنا بأن نقوم ببناء نموذج جديد للعلاقات العالمية. إذا نفترض أن النموذج القديم السائد قد انقرض بسبب من سياسة القوة والسياسة الواقعية ( r ealpolitik) ؛ ذلك أن النموذج القديم يرى التنوع على أنه تهديد، ويقترح أن الأمم المتحدة يجب أن ترتكز على عقد اجتماعي عالمي جديد؛ بحيث تكون العالمية سمة متأصلة في الأمم المتحدة، بمعنى احترام الفردية.

ويتساءل المرء، عند تثبيت حقوق الإنسان على أنها ملزمة قانونيًّا، إذا كان من الضروري النظر ليس فقط في التفاعل التاريخي بين الأديان والتوجهات الفكرية والتطورات الفلسفية، وإنما أن يؤخذ بالحسبان أيضًا العوامل الاجتماعية الاقتصادية. ويدل على ذلك تاريخ لجنة الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان لعام 1966م، إذ نجد المواجهة مع التقاليد الفكرية الفردية للمفاهيم الكلاسيكية لحقوق الإنسان مجسدة في كل من الميثاق الاجتماعي والميثاق المدني، أو العقدين الاجتماعي والمدني اللذين نظما القواعد المتعلقة بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. إن الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تمثل عوامل تؤثر بشكل حاسم في تنفيذ حقوق الإنسان الاجتماعية.

ويمكن القول: إن هناك ثلاثة أشكال من الخوف: الخوف من الآخر، والخوف ممن هو من جنسنا نحن، والخوف من الإعلان عن عقد اتفاقات. فهل من الممكن، أو من المتصور، أن تصافح عدوًا؟ هل سنخضع للرقابة إذا تصافحنا أو تبادلنا الآراء؟ كيف نستطيع أن نعلن للعالم عن مشاعرنا بأننا ملتزمون بالسلام؟ فربما نحن نخشى السلام.

وإذ نحن في معرض الحديث عن الإساءات والإعانات التي حملها القرن الماضي، علينا أن نتذكر أن النماذج لم تكن كلها سيئة. بالتأكيد كانت هناك نماذج داخل نماذج أخرى، كثير منها جرى استحداثه أو بناؤه في مجال المجتمع الأهلي، حيث بذل جهدٌ واعٍ لتحسين العلاقات العالمية، وفتح طرق للتفاهم والحوار فيما بين الأديان، والثقافات، والأمم، والأعراق، والطوائف، على مستوى القواعد الشعبية.

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قدَّم لنا عددًا من النماذج ضمن لائحة البنود المدرجة فيه. فالبند الأول ينص على أن:"جميع البشر ولدوا أحرارًا ومتساوين من حيث الكرامة والحقوق". ويمكننا أن نجد أصداء لهذا البند في صياغات مبكرة، مثل إعلان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن المساواة واستنكاره للتقسيمات القائمة على فكرة الأعراق أو الأجناس. فمقولة: لقد ولدنا جميعًا أحرارًا ومتساوين في الكرامة والقيمة ليست قولاً مقيتًا أو نابيًا على أسماع المسلمين، بل هي عنصر أصيل في بنية ثقافتهم.

وحين كُتِبَت مسودة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، رفضت النسبية الأخلاقية والثقافية بشكل حازم. فاستنادًا إلى التوجه النسبي، من الضروري التسامح والقبول بالأفكار الأخرى على قدم المساواة، حتى أكثرها انحرافًا وتشوهًا، فيما يخص حرية الإنسان وكرامته: أي حتى تلك الأفكار التي تنطوي على التحقير والعبودية. لكن هذا الأمر غير مقبول. فالمطلوب توفر أساس أخلاقي وقانوني، مقبول لدى الجميع لتكريس ميثاق حقوق الإنسان هدفًا عالميًا. إن هذا البحث عن المثل الأعلى المشترك المذكور في ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينبثق عنه ذلك التنوع الثقافي لحقوق الإنسان، يصبح أداة للتوسط بين التفسير الفردي والجماعي لحقوق الإنسان. ومما هو راسخ في الحقوق الثابتة والأصلية التي يحتويها الميثاق العالمي يمكن أن نقوم نحن بتطوير أنماط أو نماذج فرعية، إن شئتم، لتعزيز التواصل والتعاون على مستوى القواعد الشعبية وداخل البلدان نفسها.

لقد كانت هناك بالتأكيد محاولات في الماضي لبناء نماذج جديدة، قام بها رجال دولة لاحتياجات إنسانية لدى الآخرين. فلوعُدنا إلى الوراء، إلى وقت مبكر، ووقفنا عند فترة الثمانمائة عام من الوجود العربي الإسلامي في إسبانيا، لوجدنا أن هناك فترات طويلة من التعايش السلمي بين الطوائف والجماعات كافة. فقد كان للمسيحيين ولليهود على حد سواء حضور في المناطق العربية الإسلامية؛ حتى إن فترات السلام والاستقرار امتدت زمنًا طويلاً كافيًا لنمو ثقافة عربية إيبرية جديدة وازدهارها. إن الأندلس التي تحقق فيها هذا التجديد الثقافي تبقى في أذهاننا نموذجًا مثاليًا للحوار بين الحضارات.

مراحل الثقافة العالمية والدعوة للتجديد الثقافي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت