فهرس الكتاب

الصفحة 24336 من 27364

إن عالم اليوم أخذ يصبح، بشكل متزايد، أكثر ترابطًا واعتمادًا في ما بين أجزائه؛ حتى إن الحدود أضحت لا معنى لها. لكننا نسري نحو عالم واحد له جدول عمل واحد. ولو أن إحدى الثقافات انفردت بنفسها، وأملت شروط المرجعية على جدول الأعمال هذا، فإن صوغ نظام قيمي وفق هذه الثقافة وحدها سيؤدي إلى إقصاء الثقافات الأخرى، وإلى الظلم والتهميش؛ وبالتالي إلى النزاع والحروب. إن الحوار المفيد المثمر يحب أن يقوم على توجه لا إقصائي بالنسبة لجميع مكوناته. فالإسلام هو استمرار للحقيقة التي جاءت من خلال فترات سابقة من الوحي. والإسلام ينص على أنه"لا إكراه في الدين" (سورة البقرة: الآية 256) . كما يخاطب الآخرين من غير المؤمنين، قائلاً:"قل يا أيها الكافرون لا أعبدُ ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين" (سورة الكافرون: الآيات 1- 6) .

فلا بد من تكثيف الحوار بين الأديان، مع التركيز على طبيعة الدين، بدلا من العقيدة اللاهوتية. كما يجب إيجاد توجه قابل للتطبيق للتصدي للآثار السلبية الناجمة عن تدهور الاعتقاد الديني، متبعين في ذلك طريقة القياس بدلاً من المقارنة. أما الهدف فيجب أن يكون تسليط الضوء على أهمية القيم الروحية والأخلاقية التي يحتويها تراثنا الديني المشترك. غير أن مفتاح تحسين العلاقات بين الأديان، على المدى البعيد، يكمن في استحداث ثقافة سياسية واجتماعية تتمتع بالثراء الناتج عن التنوع. ولا بد من معالجة عدم التسامح عن طريق إدخال دستور إنساني للأخلاق في هذا العالم الذي نتقاسم العيش فيه.

لقد أحزنني كمسلم أن أرى التدمير كيفما اتفق لأماكن العبادة لدى البوذيين في أفغانستان. وأحزنني أكثر أن الأرض الوسط (Te r صلى الله عليه وسلم a media) ، التي وجدت على مدى قرون بين الأديان، يجري تناولها بمرجعية سياسية. وكنت أفضل لو أن مسلمين قد طُلِبَ إليهم التوجه إلى أفغانستان لتمثيل الأمم المتحدة؛ ذلك أن هناك تقاربًا ثقافيًا بينهم وبين حركة طالبان، ويمكنهم أن يقولوا لطالبان: إن ما تقومون به شيء غير معقول ويجافي الحق والإنصاف، ولا يقبله المسلمون. غير أنه لا يمكننا السماح باستمرار هذا التدهور، وإلا فإن الأرض الوسط سيقضى عليها. كما أننا لا نستطيع الاستمرار في الادعاء بأننا معتدلون ونتبنى الوسط، إذا لم نكن ديناميين لتعزيز ذلك الاعتدال وتلك المنزلة الوسط. فإذا لم نكن ديناميين، وإذا لم ننهض بأنفسنا، وإذا بقينا هكذا لا يُحسب لنا حساب، فإن تلك المكانة الوسط ستضمحل وسيملؤها المتطرفون من كل فج وصوب بشعارات الكره والمواجهة.

إن أنواع الرُّهاب المختلفة: كرُهاب الإسلام أو معاداة المسلمين، ورُهاب السامية أو معاداتها، والعنصرية أو التمييز العنصري، والفصل العنصري، هي، بحُكم تعريفها، مخاوف لا عقلانية ومبالغ فيها. وإذ نحضر للمؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية، فإن الوقت يبدو مناسبًا -في سياق عملية الحوار بين الحضارات - لاستكشاف الروابط بين العنصرية والتمييز الثقافي والعرقي والديني؛ كي نفهم؛ ومن ثم نتحدى إمكانية التدمير الكامنة في رُهاب الإسلام وغيره من أشكال عدم التسامح والتمييز العنصري والديني. فمن الضروري كسر الحلقة المفرغة إذا أردنا تحقيق مستقبل أكثر إشراقًا وانسجامًا للبشرية. وباللغة العملية، يمكن للمرء أن يفكر فيما قامت به الرابطة البرلمانية الدولية من صوغ لدستور أخلاقي للسلوك المضاد للسامية، علنا نتوصل إلى إجراء مشابه مناهض لرُهاب الإسلام.

قبل سنوات معدودة، وصفت لجنة رانيميد ( r unnymede Commission) في المملكة المتحدة رُهاب الإسلام - باضطراب - بأنه: ينطوي على عداء سافر، يكاد يصل إلى حد الاحتقار للمبادئ التي يعتز بها المسلمون أكثر ما يعتزون فيما يخص الحياة الإسلامية والفكر الإسلامي، بالغًا درجة تتفجر فيها الكراهية، وكأنها سيل عارم أو نزف حاد، في وسائل الإعلام الغربية التي تصور الإسلام بعدم التسامح مع التنوع، وأنه يسير على وتيرة واحدة، ويروج للحرب، ويتهالك عليها. وتمضي فتقول: إن رهاب الإسلام يعد تحديًا لا للمسلمين في الغرب وحسب، وإنما أيضًا لكل المفكرين الذين يحاولون التعامل مع المشكلات المعقدة ذات الصلة بالاحتكاك الحضاري والنزاع.

إن الكراهية حزام غير صحي ودرع غير واق. ومثل هذه الكراهية المستعمرة كالغشاوة تُعمي أبصارنا عن إنسانية الآخر، وتحط من شأننا أمام الله والبشرية جمعاء. إن التعليم، كما أعتقد، قد يكون المفتاح لحل كثير من مشكلاتنا:

-امنع الناس من التعليم، تكن قد حرمتهم من حريات أساسية دعت إليها وأيدتها التقاليد الدينية منذ فجر الإنسانية.

-احجب التعليم عن الناس، تُفسح المجال لتسرب التطرف والتعسف والتحامل؛ وهذه الأمور هي العدو الطبيعي للسلام والمساواة والإنصاف والتنمية.

-احرم الناس من التعليم تعرض نفسك للإساءات والإهانات؛ سواء أكنت في مجموعة فعلى يد أفراد لا يعرفون الرحمة، أو كنت فردًا فعلى يد مجموعة متزمتة لعقيدتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت