فهرس الكتاب

الصفحة 24359 من 27364

بخصوص الإجابة على هذا السؤال يجب الفصل بين نقطتين، وتتتمثل الأولى في النظر إلى واقع البشر والذي بنى علماء مثل"هوبز"رأيهم عليه وهو تفسير العالم بواقعه وما يحياه، والنقطة الثانية تتمثل في ما يبتغيه المجتمع، أي بعبارة أخرى هدف الحياة الإنسانية، فلو سألت مجموعة من الأفراد، في أي جهة يجب أن نتحرك؟ لكانت إجابتهم متشابهة بشكل كلي وفي الأساس فإن اختيار أحد الجانبين: الأول وهو الحرب وسفك الدماء والاعتداء، والآخر وهو المثالية والسلام والهدوء واضح من قبل الناس، فالناس بلا شك ستختار الجانب الثاني، ومن المؤكد أن عددًا قليلاً سيرغبون في الجانب الأول وهو الحرب وسفك الدماء. إن الإنسان لم يخلق للحرب وسفك الدماء، ولو أن هذا الواقع قائم في عالمنا المعاصر ( الإنسان ذئب الإنسان ) فعلينا ألا نكترث بمثل هذا الواقع ويجب علينا أن نغيره، وبناءً على ذلك فإن حوار الحضارات يطرح كإمكانية لتغيير هذا الواقع. وبهذا التفصيل فإن نظرية صمويل هنتنجون"صراع الحضارات"توضح ما يجري في الواقع، أما نظرية حوار الحضارات فهي توضح ما يبتغيه غالبية البشر من أماني وأهداف يريدونها ويرغبون فيها، والآن يجب طرح هذا التساؤل وهو هل نحن مضطرون لقبول هذا الأمر الواقع أم يمكننا السعي بكافة الإمكانيات لتغييره وأن نتحرك نحو الواقع المرغوب فيه؟ لقد شاهدنا كلا التيارين، تيار"الإنسان ذئب الإنسان"وتيار"حوار الحضارات"فالتيارات الأول يعمل فيه الإنسان لمصلحته الشخصية بشكل كبير ويضم بين جوانبه قتلة البشر والمعتدين في التاريخ ومظهرهم وشكلهم واضح. وتتمثل فكرة التيار الثاني في أن الإنسان جاء إلى هذه الدنيا للخير والرقي, أو بتعبير الفارابي الوصول إلى سعادة المجتمع, وبذلك فالإنسان ليس عدوًا للإنسان، ولكنه يجتهد من أجل تغيير الظروف غير المرغوب فيها إلى الخير والسعادة. وقد خطا الفنانون والمفكرون خطوات واسعة في هذا الاتجاه، وهم الذين اهتموا طوال التاريخ بقضايا من قبيل الحرية والعدالة والإنسانية, وبذلوا كافة جهودهم من أجل تغيير الوضع غير المرغوب فيه.

• لقد أشرتم سيادتكم في مواضع مختلفة إلى أسبقية وقدم وعراقة إيران القديمة في مجال حوار الحضارات، ولكن الوجه الثقافي الغالب يبرهن على أمر آخر، فالأدب والشعر يعتبران من العناصر الأساسية الدالة على مجتمع من المجتمعات وينظر إلى أدبنا على اعتبار أنه لا يرد فيه الثقة في الحوار، وإذا كان هناك حوار فقد كان من وراء الستار، كما أن الرسامين يشيرون في أعمالهم إلى المونولج ( الحوار أحادي الجانب ) خلافًا للرسامين الإيرانيين اليونايين والرومان الذين يؤكدون على الحوار فكيف يجب الاهتمام بمثل هذه القضايا؟

لقد اختلف النظام السياسي والاجتماعي الإيراني القديم عن النظام في اليونان والرومان، وهذا الموضوع غاية في الأهمية، ففي العصور القديمة قبل مجيء الإسلام كانت الحكومات مستبدة ويطرح هذا الموضوع العالم"فيفوجول"في كتابه"الاستبداد الشرقي"وذلك على نحو يعتبر معه أن الوجه الغالب على الشرق -ومن بينه إيران- هو الاستبداد وبالطبع فإن الحوار لا معنى له في ظل الحكم الاستبدادي، وقد كان ملوك ذلك الوقت متعالين على شعوبهم, وقد راجت تجارة الرقيق وكان قسمًا كبيرًا منهم يعملون في بلاط الإيرانين القدماء، ومن هنا فإنني أؤكد على أننا لم نتمكن من طرح الحوار على اعتبار أنه الوجه الغالب قبل الإسلام, وحتمًا فإن هذا الأمر لا يعني نفي وجود أي نوع من الحوار، ففي الوقت الذي تشدد فيه الروم وقاموا بالاعتداء على جذور التصوف المسيحي شاهدنا هجرة المفكرين الغربيين إلى إيران. وفي ظل تلك الظروف أصبحت مدينة جند شابور مركزًا لوجود العلماء والأدباء والمنجمين الغربيين, واليوم نحن نشهد مسيرة معكوسة فكثير من المفكرين والعقول الإيرانية تهاجر إلى الغرب، وهذه المسائل يمكن أن تمهد الأرضية لحوار الحضارات، والمثال الآخر في الدول القديمة والذي يدل على وجود الحوار هو أن بزرجمهر بذل جهودًا عظيمة في الدول الساسانية في ترجمة الكتب المهتمة بالحضارات والثقافات الأخرى.

ولكنني على كل حال أعتقد بأن ذلك لم يكن الوجه الغالب في ذلك الوقت، ويمكننا القول بأن"سقراط"يعد فيلسوف الحوار في اليونان القديمة, ويجب أن أذكر بأننا نرى الحوار بصورة جديدة وواضحة بعد الإسلام، وفي العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.

• ما هي المباديء النظرية والمعرفية لحوار الحضارات؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت