إن أول ما يطرح في هذا الخصوص هو المعرفة الدقيقة للنفس والعقائد والنظريات الشخصية، فيجب قبل كل شيء أن نعرف أنفسنا فلا معنى للحوار بدون ذلك، وفي ذات الوقت يجب معرفة الطرف المقابل وهذا أمر ضروري ويتمثل الأمر الثاني في الاعتراف رسميًا بالطرف الآخر, ويعني ذلك قبول الحوار معه, ولا يجب أن نعلن عن وجهة نظرنا فقط ليتقبلها الآخر بدون مناقشة، فهذا النوع من التعامل لا يعد حوارًا، وذلك كالقضية السياسية المطروحة على الساحة الإيرانية حاليًا, وهو الحديث عن مباحثات مع الولايات المتحدة ففي الواقع ليس هناك مباحثات؛ لأن الأمريكيين يعرضون وجهات نظرهم ويظنون أننا سنقبلها بشكل كامل. إنهم يضعون شروطًا في الحوار، وعلى الطرف الآخر أن يقبلها، هذا الوضع لا يمت للحوار ولا للمباحثات بصلة.
والأمر الثالث في هذا الخصوص يتمثل في أننا يجب أن نظن أن كافة الحقائق لدينا بشكل كامل، فيجب أن يستفيد الطرف المقابل مما لدينا، ويجب القبول بأننا نتحرك في الحوار نحو نقطة مشتركة, وفي هذا الصدد فإننا لا نمتلك كل الحقيقة فالقرآن يقول: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران ـ 64] وبناءً على ذلك توجد كلمة مشتركة عبر عنها القرآن الكريم فلم يقل: تعالوا إلى كلمتنا, وهذا موضوع محوري في بحث الحوار ويجب الاهتمام به.
الأمر الرابع في هذا الخصوص يكمن في تحديد هدف الحوار، فهدفه يتمثل في بناء مجتمع قائم على الخير والسعادة والعدالة، فنحن نتحاور ولا نتشاجر ولا نتنازع، ولا يبنغي أن تكون نتيجة الحوار هي الحرب وسفك الدماء, ولكن يجب أن يرتكز الحوار على التعايش السلمي، بعبارة أخرى نحن نتحاور حتى نعيش مع بعضنا البعض, ولا نتحاور حتى ننفصل ونتخاصم ونتنازع.
• أشرتم سيادتكم إلى حقيقة غاية في الأهمية وهي الوصول إلى كلمة مشتركة أو نقاط مشتركة كشرط للحوار, ولكن الواقع أن الناس يعيشون خارج حدودهم الجغرافية في أجواء مختلفة، فهل مع وجود هذه الاختلافات الثقافية (من قبيل الحياة في جو استبدادي أو ديمقراطي) هل بالإمكان بدء الحوار؟
يجب النظر عند الإجابة على هذا السؤال إلى الحقائق التي ذكرتها سالفًا، وأولى هذه الحقائق في هذا الصدد هي معرفة النفس ومعرفة الآخر، فالغرب لا يعرف الشرق ومن بينه إيران معرفة كافية وصحيحة, والنموذج الواضح والشاهد على ذلك هو حديث"هونزماس"بعد سفره إلى إيران، فقد ذكر أن"الإيرانيين يعرفون الألمان جيدًا أفضل من معرفة الألمان لهم". والحقيقة الثانية والتي لا يمكن إغفالها تتمثل في أن الناس في بقاع العالم المختلفة لا يختلفون عن بعضهم البعض اختلافًا كليًا، فيذكر السيد"تجويدي"وهو أحد الموسيقيين والفنانين البارزين حقيقة مهمة فيقول عن كافة المغنين في كافة بلاد العالم: إذنهم يغنون مثل بعضهم البعض, وذلك على نحو يمكن القول معه أن الفن له شكل واحد في العالم كما أن الضحك كذلك له شكل واحد. لذا فإننا نجد أن مشاعر مثل العشق والحب والمنفعة والمصلحة أو الميل والرغبة في الحوار توجد بصورة واحدة لدى كافة الأفراد بغض النظر عن كونهم أوروبيين أو شرقيين أو غربيين، فللإنسان سلوكيات ولهذه السلوكيات مظاهر واحدة, فالسلوكيات الأربعة لروح الإنسان تتمثل في"طلب الحقيقة، العبادة، الإثارة، والتضحية، وحب الجمال"وذلك كما حددها"توشيهيكو ايزوتسو"عالم الإنسانيات والمفكر الياباني البارز. والجدير بالذكر أن نفس العناصر الأربعة السابقة هي التي تمهد الأرضية لإجراء الحوار، فاذا قررت أنا على اعتباري مسلمًا محاورة مسيحي فلا يمكنني القول أنه لا توجد نقاط مشتركة بيننا، فمن يتعمق في الحوار يدرك وجود نقاط مشتركة كثيرة بيننا، وبناءً على ذلك لا يمكن القبول بأن بين الحضارات والثقافات أي انفصال ونحن بدون ذلك لا يمكننا أن ننهض بالحوار. وعلى أية حال فإن الحوار يتم بين مثقفي الحضارات ويمكن أن يتم بالمواجهة أو بصورة تحريرية (مكتوبة) .
• يوجد في كل مجتمع عدد لا بأس به من الثقافات المحدودة والمحلية، ولكننا عند الحوار نقوم باختيار ثقافة واحدة يمكن عن طريقها تلافي اضطرابات ومشاكل الثقافات الصغيرة والمحلية، فهل للثقافة المختارة صلة وعلاقة مباشرة أو علاقة يشوبها الضيق من المؤسسة الرسمية أو بعبارة أخرى المؤسسة الحكومية؟
توجد مستويات مختلفة للحوار ولتفرضوا أن كافة الوزراء والسفراء يتحاورون مع بعضهم البعض ففي الواقع فإن الدنيا كلها بذلك تتحاور مع بعضها البعض، ومن الأمور المهمة أنه يمكن لدولتنا أن تتخذ موقفًا خاصًا من إسرائيل والولايات المتحدة على اعتبار أنها جمهورية إسلامية, ويعني ذلك أننا إذا كنا لم نعترف رسميًا بإسرائيل فنحن لن نتحدث ونتحاور معها ولكننا نتحاور مع الولايات المتحدة في مجال الاقتصاد والثقافة والمنظمات الدولية كصندق النقد الدولي أو النبك الدولي، بيد أن هناك خلافًا اليوم تجاه هذه القضايا المطروحة في هذا الصدد.