فهرس الكتاب

الصفحة 2439 من 27364

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( وهذا الحديثُ أقلُّ أحواله: أنْ يقتضي تحريمَ التَشَبُّهَ بهم ، وإنْ كان ظاهره يقتضي كفرَ المتشبِّه بهم ، كما في قوله تعالى:(( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) (المائدة:51) ( [22] ) , وهو نظيرُ ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ‹ مَنْ بَنَى بأرضِ المشركين , وصنعَ نيروزهم , ومهرجانهم , وتشبَّه بِهم حتَّى يموت , حُشِرَ معهم يوم القيامة › ( [23] ) , فقد يُحمل هذا على التشبُّه المطلق , فإنه يُوجبُ الكفر , ويقتضي تحريمَ أبعاض ذلك , وقد يُحمل على أنه منهم , في القدر المشترك الذي شابَهَهُم فيه , فإنْ كانَ كُفراً , أو معصيةً , أو شعاراً لَها , كان حُكمه كذلك , وبكلِّ حال: يقتضي تحريم التشبه بهم , بعلَّة كونه تشبُّهاً ) ( [24] ) .

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: ( ففيه دلالةٌ على النهي الشديد , والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم , وأفعالهم , ولباسهم , وأعيادهم , وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لَمْ تُشرع لنا , ولا نُقرُّ عليها ) ( [25] ) .

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ( ومعناه إن شاء الله: أنَّ المسلم يتشبَّه بالمسلم في زَِيِّهِ فيُعرف أنه مسلم ، والكافرُ يتشبَّه بزيِّ الكافر فيُعلم أنه كافرٌ ، فيجبُ أنْ يُجبرَ الكافرُ على التشبُّه بقومه ليعرفه المسلمونَ به ) ( [26] ) , وقال أيضاً: ( فلأنَّ المشابهةَ في الزيِّ الظاهرِ تدعو إلى الموافقة في الهدي الباطن ، كما دلَّ عليه الشرعُ والعقلُ والحِسُّ ، ولهذا جاءت الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار , والحيوانات , والشياطين , والنساء , والأعراب , وكلِّ ناقص ) ( [27] ) , وقال: ( وسِرُّ ذلك: أنَّ المشابهةَ في الهدي الظاهر ذريعةٌ إلى الموافقة في القصدِ والعمل ) ( [28] ) .

وقال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: ( والحديثُ دالٌّ على أنَّ مَن تشبَّه بالفساق كان منهم ، أو بالكفار أو بالمبتدعة في أيِّ شيءٍ مما يختصُّون به من ملبوسٍ أو مركوبٍ أو هيئةٍ ، قالوا: فإذا تشبَّه بالكافر في زيٍّ ، واعتقدَ أنه يكونُ بذلك مثله كفرَ ، فإنْ لِمْ يعتقد ففيه خلافٌ بين الفقهاء ، منهم من قال: يكفرُ( [29] ) وهو ظاهرُ الحديث ، ومنهم من قال: لا يكفرُ ، ولكنْ يُؤَدَّب ) ( [30] ) .

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول ا صلى الله عليه وسلم: (( ليسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بغيرنا ، لا تشَبَّهُوا باليهودِ ولا بالنصارى .. ) ) ( [31] ) .

قال الإمام عبد الرحمن بن حسن بن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى في مثل هذه النصوص: ( هذا من نصوص الوعيد ، وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد: كراهةَ تأويلها ليكونَ أوقعَ في النفوس ، وأبلغ في الزجر ، وهو يدلُّ على أنه يُنافي كمالَ الإيمانِ الواجب ) ( [32] ) .

وقال الإمام ابن القيم قدَّس الله روحه: ( والمقصودُ الأعظم: ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطناً ، والنبيُّ r سنَّ لأمته ترك التشبُّه بهم بكلِّ طريق ، وقا صلى الله عليه وسلم:(( خالفَ هَديُنا هَدْيَ المشركين ) ) ( [33] ) , وعلى هذا الأصل أكثر من مئة دليل ، حتى شرع لنا في العبادات التي يُحبُّها الله تعالى ورسول صلى الله عليه وسلم ، تجنُّبَ مشابهتهم في مجرَّد الصورة ) ( [34] ) .

وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: ( ولَمْ يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا ، أعني في تحريم التشبه بالكفار ، حتى جئنا في هذه العصور المتأخرة ، فنبتت في المسلمين نابتةٌ ذليلةٌ مُستعبَدةٌ ، هُجَيْرَاها وديدَنُها التشبُّه بالكفار في كل شيء ، والاستخدام لهم والاستعباد , ثم وَجَدُوا من الملتصقين بالعلم ، المنتسبين له من يُزَيِّنُ لهم أمرهم ، ويُهَوِّنُ عليهم أمرَ التشبه بالكفار في اللباس والهيئة ، والمظهر والخُلُق ، وكل شيء ، حتى صرنا في أمةٍ ليس لها من مظهر الإسلام إلاَّ مظهرَ الصلاة ، والصيام ، والحجِّ ، على ما أدخلوا فيها من بدعٍ ، بلْ من ألوانِ التشبه بالكفار أيضاً ) ( [35] ) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تقومُ الساعةُ حتَّى تأخذ أُمَّتي بأخذِ القرون قبلَها شبراً بشبرٍ , وذراعاً بذراعٍ , فقيلَ يا رسولَ الله: كفارس والروم , فقال: وَمَنِ الناسُ إلاَّ أولئك ) ) ( [36] ) .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لَتَتَّبعُنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قبلكم شبراً بشبرٍ , وذراعاً بذراعٍ , حتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تبعتموهُم , قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى , قال: فَمَنْ ) ) ( [37] ) .

قال النووي: ( والمرادُ بالشبر والذراع وجُحر الضبِّ: التمثيلُ بشدَّةِ الموافقة لَهُمْ في المعاصي والمخالفات ) ( [38] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت