وقد أدى إلغاء نتائج الانتخابات واضطهاد العناصر الراديكالية إلى اشتداد عود المقاتلين، وعزز جهادهم المسلح، وتوصلوا إلى أن المشاركة في الانتخابات إستراتيجية غير مجدية، وحتى لو فازوا فإن الدول المتسلطة سوف تمنعهم من الوصول إلى السلطة، وبقيت الظروف التي تعزز المصالحة الوطنية والاستقرار هشة، ويمثل أداء الحركات الإسلامية الانتخابي تحدياً للمقولة التقليدية التي تقرر أن الإسلاميين لا يمكن أن ينجحوا عبر صندوق الانتخابات، ومما يدعو للسخرية أن نجاح الحركات الإسلامية في إطار العملية الديمقراطية تم النظر إليه على أنه حدث بالغ الخطورة ويشكل تهديداً يجاوز ذلك الذي تمثله الثورة المسلحة.
وقد ظل الإسلام عنصراً أساسياً وجوهرياً في هوية الفرد وجزءاً هاماً من الحياة الدينية والثقافية، على الرغم من السيطرة السوفييتية والسياسات المناهضة للإسلام في وسط آسيا، وفي أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي أصبح الإسلام متمماً لعملية بناء الأمة فيما بعد استقلال جمهوريات آسيا الوسطى، ومساهماً في نمو الهويات الوطنية الجديدة ونظم القيم، ومرشداً للحياة الاجتماعية والسياسية والعلاقات الجيدة مع العالم الإسلامي، وبمجرد ظهور الإسلام كقوة سياسية محتملة فإن دولا مثل أوزبكستان وطاجيكستان انتقلت من التعاون إلى القمع، مما أدى إلى حرب أهلية مدمرة في طاجيكستان، وقمع ونزاع مسلح في أوزبكستان، وتعد حركة أوزبكستان الإسلامية المجموعة المسلحة التي يخشى منها بشكل أكبر من أي مجموعة أخرى، وقد أعلنت الولايات المتحدة في أواخر سبتمبر 2001 أن هذه المجموعة تعد منظمة إرهابية وجزءاً من القاعدة.
صدام الحضارات:
استخدم صدام الحضارات للإشارة إلى الحلفاء أو الأعداء في العالم الإسلامي، وقد راح البعض رداً على هجمات 11سبتمبر يؤكد على أن صدام الحضارات إنما يتمحور حول النزاع مع أسلوب الحياة الغربية الحديث، مثل الديموقراطية، وحقوق المرأة، والرأسمالية، وفي الواقع فإن الرأسمالية ممثلة في العالم الإسلامي في كل من صيغ التنمية الوطنية، وكذلك في النسخ المستلهمة من الغرب.
ومع ذلك يوجد أصوات متنوعة متعلقة بالإصلاح الإسلامي والحوار الحضاري يمكن أن يتم سماعها من الشرق الأوسط إلى آسيا، فقد نظر أنور إبراهيم نائب رئيس الوزراء الماليزي السابق، إلى أن جذور التعايش قائمة سواء في التاريخ الإسلامي أو القرآن، ويُعدّ التعايش المشترك الصيغة الإسلامية للتعددية، وهوما تم التعبير عنه في القرآن بوضوح، فالبشر خلقوا شعوباً وقبائل لكي يتعارفوا.
وأما محمد خاتمي فيعد حوار الحضارات بديلاً لكل من الخطاب الجهادي المتشدد القديم، والتسمم بأفكار الغرب، وأكد خاتمي على العكس من الموقف المتشدد لخامنئي أن الإصلاح الإسلامي مفتوح على التفاعل الإيجابي مع الحضارة الغربية، وضرورة بناء جسر بين التراث والحداثة، وتُعدّ رؤية خاتمي للتاريخ وتطور الحضارات إيجابية ، فالحضارات تتغير باطراد وتتطور، والحضارة الغربية هي الأخيرة، ولكن ليست هي الحضارة الإنسانية المطلقة، فهي مثل كل أثر إنساني مؤقتة وقابلة للتأثر.. إن الحضارات تتغير ولا يوجد في هذا الخصوص حضارة مطلقة أبدية.
أما عبد الرحمن واحد زعيم نهضة العلماء أكبر منظمة إسلامية وتضم (35) مليون عضو في إندونيسيا فهو يعترف بالحاجة إلى إقامة وحدة وطنية في مواجهة الطائفية، وإقامة حكم القانون، وتطوير أطر اقتصادية قابلة للحياة، من أجل التوزيع المتساوي للثروة، وقد وضع أيضاً إصبعه على سبب رئيسي للعنف والإرهاب في الأقطار المسلمة، فمعظم الحكومات في العالم الإسلامي تعتمد على هندسة الأوضاع الاجتماعية السياسية، والتسلط والاضطهاد السياسي، ويرى أن الفشل في إقامة علاقة العقيدة مع الهوية الوطنية والبناء المؤسسي ساهم في عدم الاستقرار والأخطار؛ إذ إن الحكومات التي تعتمد على السيطرة الاجتماعية أكثر من الشورى، تلك التي تستخدم العنف والقمع، توفر مناخاً يساهم في إيجاد الراديكالية والعنف ضد الدولة، وهنا فإن الحركات تواجه بخيارين:"إما خيار اتباع نهج راديكالي أو رد فعل تدريجي في كفاحها من أجل العدالة الاجتماعية والمعاملة المتساوية أمام القانون وحرية التعبير".
وأخيراً، وفي إطار المجتمع الذي تتزايد عولمته، فإن تحديد الإسلام والعالم الإسلامي على أنه كيان شمولي يصبح أمراً أكثر صعوبة؛ إذ إن الحدود الفاصلة بين الإسلام والغرب تتلاشى، ذلك أن التداخل العميق في العلاقات ليس قائماً فقط بين الأقطار، والمجتمعات، والمؤسسات المسلمة والتجمعات غير المسلمة، ولكن الأكثر أهمية أن الإسلام ذاته حاضر في أمريكا وأوروبا حيث أصبح المسلمون جزءاً من نسيج المجتمعات الغربية كمواطنين ومهنيين وجيران؛ فالكثير من المسلمين من أبناء الجيل الثالث والرابع من المواطنين في المجتمعات الغربية ليسوا أكثر أو أقل أمركة أو أوربة من اليهود والمسيحيين والهندوس.