فهرس الكتاب
فقد وُلد النبي صلى الله عليه وسلم والبشرية تُعاني الأمرّين من صنوف الجهل والتخلف والانحطاط الخلقي والحضاري .. العرب في الجزيرة العربية كانوا يعبدون الأصنام ويقتلون البنات ويتكسبون من وراء الزنى والدعارة .. أما الشعب الفارسي فقد أدمن عبادة النار كما أدمن عبادة الطاغية كسرى الذي كرث الطبقية والكراهية بين صفوف الشعب الفارسي .. وهذا هرقل أجج الخلاف الطائفي بين الرومان فأخذ يذّبح من يخالفه في المذهب، فضلاً عن فساد السلطة الرومانية الحاكمة مالياً وإدارياً وسياسياً .. حتى وصل بهم الحد أن فرضوا ضريبة على الشعوب تسمى"ضريبة الرأس".. وهي ضريبة يدفعها المواطن نظير ترك رأسه دون ذبح !
وهكذا كان العالم يموج بالظلم والتخلف .. إلى أن أرسل الله ـ تبارك وتعالى ـ هذا الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم
ويبين هنري ماسيه (4) أن"بفضل إصلاحات محمد صلى الله عليه وسلم الدينية والسياسية، وهي إصلاحات موحدة بشكل أساسي، فإن العرب وعوا أنفسهم وخرجوا من ظلمات الجهل والفوضى ليعدّوا دخلوهم النهائي إلى تاريخ المدنية" (5) ..
نشأته وشبابه:
نشأ النبي صلى الله عليه وسلم في بيت جده عبد المطلب زعيم مكة، ومن ثم نال صلى الله عليه وسلم حظاً وافراً من الفطنة والفكر السديد، ومعايشة قضايا العالم ومشكلاته ونزاعاته .. فطالع النبي صلى الله عليه وسلم صحائف البشرية وأحوال القبائل والجماعات والأحلاف، وقد كان صلى الله عليه وسلم في ذروة الإيجابية مع قضايا أمته ، فهو عضو في"حلف الفضول"للدفاع عن حقوق الإنسان ورفض كل صور الظلم وأكل الحقوق بالباطل .. كما إنه حكم عدل في فض النزاعات والمشكلات التي تحدث بين القبائل والعائلات .. كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفسًا وأكرمهم خيرًا، وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه: [ الأمين ] لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال الطيبة .. إنه ـ ببساطة شديدة ـ كما وصفته زوجته خديجة ـ رضي الله عنها ـ ، يصل الرحم، ويحمل الكل، ويُكسب المعدوم، ويُقري الضيف، ويُعين على نوائب الدهر (6) .. وبقدر ما كان من إيجابية النبي صلى الله عليه وسلم في شبابه بقدر ما كان ينفر من مظاهر الجاهلية السائدة في المجتمع .. فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح قرباناً للأصنام، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالاً، ولا يشارك في أي طقوس دينية لهذه الأصنام ، بل كان من أول نشأته نافراً من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف بهذه الأصنام ..!
ويتحدث توماس كارلايل (7) عن شباب صلى الله عليه وسلم قائلاً:
"لوحظ على محمد صلى الله عليه وسلم منذ [صباه] أنه كان شابًا مفكرًا وقد سمّاه رفقاؤه الأمين - رجل الصدق والوفاء - الصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة. وإني لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لبّ.. وقد رأيناه طول حياته رجلاً راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهم كريمًا برًّا رؤوفًا تقيًا فاضلاً حرًا، رجلاً شديد الجدّ مخلصًا، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جمّ البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق.. وكان ذكي اللب، شهم الفؤاد.. عظيمًا بفطرته، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غني عن ذلك.. فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء" (8) .
ويقول الباحث والمستشرق البلجيكي ألفرد الفانز ، في كتابه علم النفس: عن أخلاق صلى الله عليه وسلم وأمانته وزواجه من خديجة:
"شب محمد صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ، فكان أعظم الناس مروءة وحلماً وأمانة ، وأحسنهم جواباً، وأصدقهم حديثاً ، وأبعدهم عن الفحش حتى عرف في قومه بالأمين ، وبلغت أمانته وأخلاقه المرضية خديجة بنت خويلد القرشية ، وكانت ذات مال ، فعرضت عليه خروجه إلى الشام في تجارة لها مع غلامها ميسرة ، فخرج وربح كثيراً ، وعاد إلى مكة وأخبرها ميسرة بكراماته ، فعرضت نفسها عليه وهي أيم ، ولها أربعون سنة ، فأصدقها عشرين بكرة، وتزوجها وله خمسة وعشرون سنة، ثم بقيت معه حتى ماتت" (9) .
و"صدع الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة نحو عام 610م وعمره يوم ذاك أربعون سنة، وكان مثل إخوانه الأنبياء السابقين [عليهم السلام] ولكن كان أفضل منهم بما لا نسبة فيه.. وكان زاهدًا وفقيهًا ومشرعًا ورجلاً عمليًا.." (10) .
النبوة والوحي