فهرس الكتاب
إن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم قدم الإسلام كعقيدة دينية وشريعة ظهرت في إطار تنظيم اجتماعي تبلور في الدولة الإسلامية عبر سائر المراحل التاريخية السابقة واللاحقة ، سابقاً إلى تحقيق فكرة التعايش بين الشعوب والأجناس والأديان ، وإن نظرة واحدة لأول دستور مكتوب في تاريخ البشرية، ونقصد به دستور المدينة ـ الذي وضعه الرسو صلى الله عليه وسلم ـ؛ فإن هذا الدستوريقدم لنا القوانين السائدة في أول دولة إسلامية قامت بعد الهجرة وحققت التعايش بين المسلمين واليهود والقبائل العربية التي لم تكن تعتنق الإسلام، ومن ثم تطورت جوانب هذا التعايش مع قيام الدولة الإسلامية التي ضمت شعوباً وأمماً مختلفة ، حققت بينها الانسجام والعدل والمساواة، بعيداً عن العصبية العرقية أو الاستعلاء الديني .
يقول مارسيل بوازار (6) :
"وقد فتح الإسلام الباب للتعايش على الصعيد الاجتماعي والعرقي حين اعترف بصدق الرسالات الإلهية المنزلة من قبل على بعض الشعوب ، وجعل المسلمين منحدرين من نسل مشترك هم اليهود والنصارى عبر إبراهيم . لكنه بدا أنه يرفض الحوار في الوقت ذاته على الصعيد اللاهوتي حين ربط التنزيل القرآني بما جاء في الكتاب المقاس وأزال من العقيدة كل ما اعتبر زيفاً مخالفاً للتوحيد بالمعنى الدقيق للكلمة. وأتاح منطق تعاليمه القوي وبساطة عقيدته، وما يرافقها من تسامح أتاح كل هذا للشعوب التي فتح بلادها حرية دينية تفوق بكثير تلك التي أتاحتها الدول المسيحية نفسها ، ولا سيما في حوض المتوسط الشرقي ، حيث كانت تحارب بقسوة الهرطقات التي غالباً ما كانت تتخذ شكل المطالبة القومية . وبهذا لا تغطي"الجماعة الإسلامية"رقعة « دار الإسلام ، » فالفكرة الأولى تتخذ طابع الموافقة الدينية ، و تضمن الثانية بنية سياسية ودينية معاً تضم غير المسلمين تبعاً لإجراء محدد .ويتيح التوحيد لكل إنسان شرف الاندماج في الجنس البشري دون حصر ولا مراعاة خاصة . و تستتبع وحدة الرسالات احترام معتنقي التنزيلات السابقة ، في حين أن اعتناق الإسلام يحقق للفرد في موازاة ذلك ، مكان بلوغ الدرجة القصوى من الكمال بالانخراط في مجتمع المؤمنين . وبالفعل فإن شهادة أن"لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"التي ينخرط بها الفرد ، ويشارك مشاركة تامة في الأمة الإسلامية تتضمن اعترافاً مزدوجاً: الاعتراف بوحدانية الله ، والاعتراف بأن النبي محمداً رسول من الله. و تبقى القيمة الجوهرية هي هي لجميع الناس بوصفهم أناساً . ومع هذا فإن شعور المسلم بالدعوة الربانية أهي موضوعياً من شعور أي إنسان آخر لأنه يتبع أمر الله: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم أن الله عليم خبير الحجرات13" ( 7) .
هذا، ويبين توماس آرنولد السبب في نجاح النبي صلى الله عليه وسلم في نشر قيم الحب والإخاء، هو حسن الخلق والمعاملة الحسنة والجاذبية التي كان يتمتع بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول آرنولد:
".. إن المعاملة الحسنة التي تعودتها وفود العشائر المختلفة من النبي صلى الله عليه وسلم واهتمامه بالنظر في شكاياتهم، والحكمة التي كان يصلح بها ذات بينهم، والسياسة التي أوحت إليه بتخصيص قطع من الأرض مكافأة لكل من بادر إلى الوقوف في جانب الإسلام وإظهار العطف على المسلمين، كل ذلك جعل اسمه مألوفًا لديهم، كما جعل صيته ذائعًا في كافة أنحاء شبه الجزيرة سيدًا عظيمًا ورجلاً كريمًا. وكثيرًا ما كان يفد أحد أفراد القبيلة على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثم يعود إلى قومه داعيًا إلى الإسلام جادًا في تحويل إخوانه إليه.." (8) .
ولقد"كانت تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم في [أعقاب فتح] مكة تدل على أنه نبي مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في مركز قوي. ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو" (9) .
ولقد كانت أخلاق العفو والرحمة هي السلاح الأكبر الذي استعمله الرسو صلى الله عليه وسلم في غزو القلوب الصماء.
يؤكد ذلك ديوان شند شرمة بقوله:
"لقد كان محمد روح الرأفة والرحمة، وكان الذين حوله يلمسون تأثيره ولم يغب عنهم أبدًا" (10) .
ولعل إدوار مونته يبين السبب الأساس في قدرة النبي الكريم في نشر الحب والإخاء بين العالمين، و هو ما عرف عن النبي محمد"بخلوص النية والملاطفة وإنصافه في الحكم، ونزاهة التعبير عن الفكر والتحقق، وبالجملة كان محمد أزكى وأدين وأرحم عرب عصره، وأشدهم حفاظاً على الزمام فقد وجههم إلى حياة لم يحلموا بها من قبل، وأسس لهم دولة زمنية ودينية لا تزال إلى اليوم" (11) .
هوامش المبحث الرابع:
2.آتين دينيه وسليمان بن إبراهيم: محمد رسول الله ، ص 323.
3.برج: نقلا عن التكامل في الإسلام ، ج 2، ص 101.
4.فيليب حتى: الإسلام منهج حياة ، ص 19 ، 20.
5.المصدر السابق .
6.وليم موير: نقلا عن مجلة الهلال المجلد 4 ، الجزء 7.
7.مارسيل بوزار: إنسانية الإسلام ، 184-185.
8.المصدر السابق.